ابحاث ⁄ثقافي

حينما تتأخر قيمة الأشياء تصبح بلا قيمة

حينما تتأخر قيمة الأشياء تصبح بلا قيمة

 

كتب: د. مالك يوسف مالك بخيت
أستاذ علم النفس المساعد – جامعة أم درمان الإسلامية

 

 

 

في علم النفس، لا تُقاس قيمة الأشياء بما تمثله في ذاتها فقط، وإنما بتوقيتها، وأثرها، ومدى احتياج الإنسان إليها في اللحظة المناسبة.

فقد يأتي الشيء صحيحًا، لكنه يأتي متأخرًا… وحينها قد يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته.

الاعتذار المتأخر لا يمحو أثر الألم، والتقدير المتأخر لا يعيد سنوات العطاء، والحق المتأخر قد يفقد قدرته على معالجة آثار الظلم، والقرار الذي يأتي بعد أن يصل الإنسان إلى مرحلة الإنهاك النفسي قد لا يعيد إليه الدافعية التي فقدها.

 

وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته نفسيًا بـ "قيمة التوقيت"

فالإنسان لا يحتاج إلى التقدير بعد أن ينطفئ، وإنما يحتاج إليه وهو يبذل.
ولا يحتاج إلى الدعم بعد أن يفقد قدرته على الاستمرار، وإنما يحتاج إليه عندما يكون في منتصف الطريق.
ولا يحتاج المجتمع إلى إصلاح مؤسساته بعد أن يفقد أبناؤه الثقة فيها، وإنما يحتاج إلى الإصلاح قبل أن يتحول الإحباط إلى ثقافة عامة.

 

الأستاذ الجامعي ليس مجرد وظيفة

الأستاذ الجامعي يقدم سنوات من عمره في التعليم والبحث والإشراف والتدريب وخدمة المجتمع. وكل سنة تمر دون تقدير حقيقي لجهده ليست مجرد سنة مالية؛ إنها تراكم نفسي ومهني.

وعندما يشعر الأستاذ أن جهده لا يُقابل بما يتناسب معه، تبدأ مجموعة من العمليات النفسية في الظهور:

الإحباط → انخفاض الدافعية → الشعور بعدم التقدير → الاحتراق النفسي → اللامبالاة → فقدان الانتماء المؤسسي.

وهذه ليست مجرد مشاعر عابرة؛ بل قد تتحول إلى مشكلة تؤثر في جودة التعليم والبحث العلمي والأداء الأكاديمي.

لذلك، فإن الحديث عن حقوق أساتذة الجامعات السودانية، وهيكلهم الراتبي وشروط خدمتهم ليس حديثًا عن المال فقط.

إنه حديث عن الكرامة المهنية، والاستقرار النفسي، والدافعية، وجودة التعليم، ومستقبل الجامعة السودانية.

المشكلة ليست في أن يأتي الحق… بل في أن يأتي بعد فوات الأوان

هناك فرق كبير بين أن تمنح الإنسان حقه عندما يكون قادرًا على البناء، وأن تمنحه إياه بعد أن يكون قد استنزف كل طاقته.

فالقيمة الحقيقية للقرار ليست فقط في مضمونه، وإنما في توقيته.

وكلما طال الانتظار، ارتفعت الكلفة النفسية والاجتماعية والمهنية.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس:

هل سيأتي الحل؟

بل:

متى سيأتي؟

لأن بعض الحلول إذا جاءت في الوقت المناسب صنعت استقرارًا،
وإذا تأخرت صنعت خيبة،
وإذا تأخرت أكثر قد تصبح مجرد محاولة لإصلاح آثار أزمة كان يمكن تجنبها منذ البداية.

رسالة إلى صانع القرار

إن الأستاذ الجامعي لا يطلب امتيازًا خارجًا عن المنطق، ولا يبحث عن رفاهية شخصية؛ وإنما يبحث عن نظام مهني يحفظ كرامته ويمنحه القدرة على الاستمرار في أداء رسالته.

فالجامعة التي تريد إنتاج المعرفة، وبناء الإنسان، وصناعة المستقبل، لا يمكن أن تجعل من أستاذها آخر الأولويات.

احفظوا قيمة الأستاذ قبل أن يتحول التقدير إلى تعويض، وقبل أن تتحول الدافعية إلى إنهاك، وقبل أن يصبح الحق المتأخر بلا أثر.

ففي الحياة والمؤسسات:

«ليست كل الأشياء التي تأتي متأخرة عديمة القيمة، ولكن بعض الأشياء تفقد قيمتها عندما تصل بعد أن ينتهي الوقت الذي كان الإنسان يحتاجها فيه.»

والأستاذ الجامعي يحتاج إلى حقه… ليس غدًا، بل عندما يكون للحق أثر في حياته واستقراره ودافعيته.