
لم يكن تخصيص السعودية عام 2027 ليكون «عام الماء» مجرد مناسبة رمزية للاحتفاء بأحد أهم الموارد الحيوية، بل جاء تتويجاً لمسيرة تحول ممتدة، رسخت خلالها المملكة مكانتها بوصفها إحدى أبرز الدول عالمياً في إدارة الموارد المائية واستدامتها. فعلى الرغم من كونها من أكثر دول العالم ندرة في الموارد المائية الطبيعية، نجحت البلاد في تحويل هذا التحدي قصةَ نجاحٍ تنموية، قائمة على الابتكار والتقنيات المتقدمة والاستثمار طويل الأجل في البنية التحتية للمياه.
ووافق مجلس الوزراء السعودي، في جلسته، الثلاثاء، برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، على تسمية عام 2027 «عام الماء».
ويكشف التقرير السنوي لبرنامج التحول الوطني 2025 عن قفزة نوعية حققتها المملكة في قطاع المياه؛ إذ أصبحت في صدارة دول العالم في إنتاج المياه المحلاة، بطاقة إنتاجية يومية تجاوزت 16 مليون متر مكعب، بعد أن كانت لا تتجاوز 4.6 مليون متر مكعب يومياً عند إطلاق «رؤية 2030».
كما اختيرت المملكة نموذجاً عالمياً لأفضل الممارسات في تسريع تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، المتعلق بالمياه وخدمات الصرف الصحي.
#مجلس_الوزراء: الموافقة على تسمية عام (2027م) بـ(عام الماء). #واس pic.twitter.com/HDPTu2MtNc
— واس الأخبار الملكية (@spagov) July 28, 2026
وتزامن هذا التحول مع سلسلة من الإنجازات المؤسسية والتنظيمية التي عززت كفاءة القطاع، من أبرزها إنشاء الهيئة السعودية للمياه، وإطلاق المنظمة العالمية للمياه، إلى جانب تطوير منظومة متكاملة لإنتاج المياه وتحليتها تعتمد على أحدث التقنيات العالمية؛ ما أسهم في رفع موثوقية الإمدادات المائية وتحقيق مستويات قياسية في الكفاءة التشغيلية.
وعلى مستوى المشاريع النوعية، شهد عام 2025 تسجيل إنجازات عالمية جديدة للمملكة في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، من بينها أكبر منظومة لتحلية المياه بالتناضح العكسي على أصغر مساحة أرض، ضمن مشروع منظومة الخبر (المرحلة الثانية)، بطاقة إنتاجية تتجاوز 670,852.4 متر مكعب يومياً، وأقل معدل لاستهلاك الطاقة في محطة تحلية تعمل بالتناضح العكسي، في مشروع منظومة إنتاج الشعيبة (المرحلة الخامسة)، بواقع 1.7 كيلوواط في الساعة لكل متر مكعب، إضافة إلى إنشاء أكبر واحة للابتكار المائي في العالم بمحافظة رابغ، بمساحة تتجاوز 33 ألف متر مربع.
كما امتدت الإنجازات إلى مختلف مناطق المملكة، حيث شُغلت مشاريع متقدمة لمعالجة مياه الرجيع، واستخلاص المعادن والمواد الاقتصادية من عمليات التحلية، والتحول إلى استخدام الغاز الطبيعي في تشغيل بعض محطات التحلية، فضلاً عن توظيف الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالأعطال وتحسين كفاءة التشغيل وجودة المياه، بما يعزز الاستدامة البيئية ويخفض التكاليف التشغيلية.
وفي جانب الخدمات، توسعت شبكات المياه والصرف الصحي لتصل إلى ملايين المستفيدين في مختلف مناطق المملكة، في حين برزت كفاءة منظومة المياه خلال موسم الحج من خلال توفير إمدادات مائية متواصلة لضيوف الرحمن، مع تحقيق نسبة مطابقة لجودة المياه بلغت 100 في المائة في المشاعر المقدسة.
ويعكس «عام الماء» مرحلة جديدة من طموحات المملكة في بناء اقتصاد مائي مستدام، لا يقتصر على تأمين الاحتياجات المحلية فحسب، بل يمتد إلى تصدير الخبرات والتقنيات والحلول المبتكرة إلى العالم، بما يرسخ موقع السعودية مركزاً عالمياً للابتكار المائي وشريكاً رئيسياً في مواجهة تحديات الأمن المائي والتنمية المستدامة خلال العقود المقبلة.

وحصلت الهيئة السعودية للمياه، ممثلة في ذراعها البحثية، معهد ابتكار تقنيات المياه والأبحاث المتقدمة (وتيرا)، على براءات اختراع جديدة خلال عام 2025، من بينها مشروع يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الاهتزازات والتنبؤ بالأعطال في أنظمة التناضح العكسي والفلاش متعدد المراحل، إضافة إلى حلول أخرى في تقنيات المياه.
وشملت الابتكارات أيضاً تطوير نظام ذكي، بالتعاون مع جامعة تبوك (شمال السعودية)، لجمع عينات المياه بدقة عالية باستخدام الطاقة الشمسية. ويعتمد النظام على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحديد العمق المناسب وحجم العينة، إلى جانب تمتعه بخاصية التنظيف الذاتي.
ويظهر التقرير اتساع نطاق خدمات المياه المقدمة للمستفيدين في أنحاء المملكة؛ إذ وصل عدد المستفيدين إلى أكثر من 27 مليوناً، في حين تجاوزت سعة محطات الضخ مليوني متر مكعب يومياً، وتخطت سعة الخزانات 1.5 مليون متر مكعب.
وكانت الهيئة السعودية للمياه قد أعلنت توطين صناعة أجهزة استعادة الطاقة، وهي أحد المنتجات الاستراتيجية في صناعة تحلية المياه، عبر إنشاء أول مصنع من نوعه عالمياً خارج الولايات المتحدة، لتنتقل هذه التقنية المتخصصة، التي انحصر تصنيعها في السوق الأميركية، إلى المملكة، بوصفها أول دولة تحتضن صناعتها خارج الولايات المتحدة.
وتدعم هذه الخطوة صناعة التحلية وترفع قدرتها على الوصول إلى التقنيات المتقدمة محلياً، على أن يبدأ الإنتاج خلال الربع الأول من عام 2027.
وتنشئ شركة «إنرجي ريكفري» المصنع في المملكة بطاقة إنتاجية تبلغ ألفي جهاز سنوياً، بما يغطي الطلب المحلي المقدر بنحو 1200 جهاز سنوياً ويحقق الاكتفاء المحلي، مع توجيه 40 في المائة من الإنتاج إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي وأفريقيا وآسيا.
aawsat.com