خبر ⁄اقتصادي

خبير اقتصادى: زيارة رئيس الصين للقاهرة تعيد رسم الشراكة بين البلدين

خبير اقتصادى: زيارة رئيس الصين للقاهرة تعيد رسم الشراكة بين البلدين

تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر اليوم أهمية استثنائية تتجاوز بكثير فكرة الزيارة البروتوكولية بين رئيسي دولتين، فالزيارة هي الأولى للرئيس الصيني إلى القاهرة منذ عشر سنوات، وتأتي بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، وفي لحظة تشهد فيها خريطة الاقتصاد والسياسة الدولية تغيرات عميقة، وصراعًا متزايدًا على النفوذ والأسواق وممرات التجارة وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة والتكنولوجيا.

من جانبه أكد الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، أن الزيارة تأتي في صورة "زيارة دولة"، كما أنها تأتي ضمن تحرك خارجي مهم للرئيس الصيني بدأ بمشاركته في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، قبل انتقاله إلى مصر، وقد أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن برنامج التحرك الخارجي للرئيس يمتد من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر، بينما تشير المعلومات المنشورة حول المحطة المصرية إلى إقامة تمتد لنحو ثلاثة أيام بحسب بعض التغطيات، وإن كانت البيانات الرسمية المصرية الأولى لم تحدد مدة الزيارة بشكل تفصيلي.

ولفت "الجوهرى"، إلى أنه هنا تبرز مجموعة من الأسئلة المهمة، لماذا مصر تحديدًا؟ ولماذا الآن؟ ولماذا يمنح الرئيس الصيني القاهرة هذه المساحة من برنامجه الخارجي؟ وماذا تريد بكين من مصر؟ وفي المقابل، ماذا يمكن أن تحقق القاهرة من هذه الزيارة؟

 

زيارة بعد غياب عشر سنوات ليست مجرد مصادفة

وتابع الخبير الاقتصادى، :"آخر زيارة قام بها شي جين بينغ إلى مصر كانت في يناير 2016، وبالتالي فإن عودته بعد عقد كامل تحمل دلالة سياسية واضحة، لأن خلال هذه السنوات تغيرت مصر، وتغيرت الصين، وتغير العالم نفسه، موضحاً أن مصر توسعت في البنية الأساسية والموانئ والطرق والطاقة والمدن الجديدة، وأنشأت العاصمة الإدارية الجديدة، وطورت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وانضمت إلى تجمع بريكس، وتسعى حاليًا إلى الانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والتمويل الخارجي إلى نموذج يعطي الصناعة والتصدير والاستثمار الأجنبي المباشر دورًا أكبر.

وأردف :"وفي المقابل أصبحت الصين أكثر حضورًا في الاقتصاد العالمي، وأكثر انخراطًا في الشرق الأوسط وأفريقيا، وأصبحت المنافسة بينها وبين الولايات المتحدة تتجاوز التجارة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد والعملات والنفوذ الجيوسياسي، ومن هنا فإن زيارة 2026 مختلفة تمامًا عن زيارة 2016"، مشيراً إلى أن زيارة 2016 كانت في جانب كبير منها زيارة لبناء الشراكة، أما زيارة 2026 فقد تكون زيارة لإعادة تعريف حجم هذه الشراكة ووظيفتها خلال العقد المقبل.

 

لماذا جاء شي جين بينج إلى مصر في هذا التوقيت؟

وأكد "الجوهرى"، أن هناك أكثر من سبب يجعل التوقيت شديد الأهمية، وأول هذه الأسباب أن عام 2026 يمثل مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين منذ عام 1956، وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، لكن الاحتفال بالذكرى السبعين يمثل الغطاء التاريخي للزيارة، وليس بالضرورة السبب الوحيد لها، ولكن السبب الأعمق هو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية، والتوترات التجارية الدولية تتزايد، والمنافسة الأمريكية الصينية مستمرة، والاقتصاد العالمي يعاني ضغوطًا مرتبطة بالطاقة والتجارة وسلاسل التوريد، بينما أصبح تأمين طرق التجارة والوصول إلى الأسواق مسألة أمن قومي بالنسبة للقوى الكبرى، وتابع:"وفي هذه الخريطة تقع مصر في موقع يصعب تجاهله.

 

مصر بالنسبة للصين ليست سوقًا فقط

وشدد "الجوهرى"، على أنه من الخطأ اختزال أهمية مصر بالنسبة للصين في تعداد السكان أو حجم السوق المصرية، كون الصين تنظر إلى مصر من منظور جغرافي واقتصادي أوسع بكثير، فمصر تقع في نقطة التقاء ثلاث دوائر استراتيجية شديدة الأهمية لبكين، وهي الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر المتوسط، وفي قلب هذه الدوائر توجد قناة السويس، وهنا تظهر القيمة الحقيقية لمصر في الحسابات الصينية.

وأشار "الجوهرى"، إلى أن الصين أكبر قوة صناعية وتصديرية في العالم، وبالتالي فإن أمن التجارة البحرية وسرعة انتقال السلع الصينية إلى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا مسألة حيوية بالنسبة للاقتصاد الصيني، وقناة السويس تمثل أحد أهم الممرات التي تربط الإنتاج الآسيوي بالأسواق الأوروبية، ولهذا فإن مصر بالنسبة لبكين ليست مجرد دولة تستورد المنتجات الصينية، وإنما منصة محتملة للإنتاج والتصدير واللوجستيات والوصول إلى أسواق ضخمة خارج الحدود المصرية.

 

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس قد تكون جوهر الرهان الصيني

وأكد "الجوهرى"، أن الصين لديها مصلحة كبيرة في زيادة التصنيع داخل مصر بدلًا من الاكتفاء بالتصدير إليها، والفكرة بسيطة، شركة صينية تنتج داخل الصين ثم تصدر إلى مصر تتحمل تكاليف الشحن ومخاطر التجارة الدولية والقيود الجمركية وتقلبات العملات، أما إذا أنشأت مصنعًا داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فإنها تصبح أقرب إلى السوق المصرية وإلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وهذا يفسر لماذا يمكن أن تصبح مصر خلال السنوات المقبلة قاعدة صناعية مهمة لبعض الصناعات الصينية الموجهة للتصدير، والرئيس السيسي حدد بالفعل في مقاله المنشور بالتزامن مع الزيارة مجموعة قطاعات ذات أولوية، من بينها السيارات الكهربائية، وبطاريات تخزين الطاقة، والطاقة المتجددة، والإلكترونيات، ومكونات تحلية مياه البحر، وبناء السفن.

 

لماذا تعتبر مدة الزيارة لافتة؟

وشدد الخبير الاقتصادى، على أنه في عالم الدبلوماسية الرئاسية، الوقت له دلالة، والرئيس الصيني يقود ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وبرنامجه الخارجي شديد الكثافة، وبالتالي فإن تخصيص محطة ممتدة نسبيًا لمصر بعد غياب عشر سنوات يشير إلى أن الملفات المطروحة تتجاوز اجتماعًا سياسيًا قصيرًا، وبعض المصادر تصف الزيارة بأنها تمتد ثلاثة أيام، بينما البيانات الرسمية المصرية الأولى لم تحدد المدة تفصيليًا، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع مسألة العدد الدقيق للأيام، لكن الأهم من عدد الساعات والأيام هو طبيعة الزيارة باعتبارها زيارة دولة ووجود أجندة سياسية واقتصادية واستراتيجية واسعة، وهذه الأجندة تشمل متابعة الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تم تدشينها عام 2014، والتعاون الاقتصادي والاستثماري والصناعي، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية.

 

التسوية باليوان يساعد على تخفيف الطلب على الدولار

ونوه الخبير الاقتصادى إلى أن مصر عضو في تجمع بريكس، والصين لاعب رئيسي داخله، وبالتالي فإن توسيع استخدام اليوان في تسوية جزء من التجارة المصرية الصينية يمكن أن يساعد على تخفيف جزء من الطلب على الدولار، ولكن يجب عدم المبالغة في تصوير هذا الأمر باعتباره بديلًا كاملًا للدولار، كون الدولار سيظل عملة رئيسية في التجارة والتمويل الدولي في المستقبل المنظور، لكن إذا تمكنت مصر من تسوية نسبة متزايدة من وارداتها الصينية باليوان، بالتوازي مع زيادة صادراتها للصين، فإن ذلك يمكن أن يقلل جزءًا من الضغط على مواردها الدولارية، وهذه واحدة من الأدوات التي يمكن تطويرها خلال المرحلة المقبلة.

 

الزيارة ليست اقتصادية فقط.. هناك بعد سياسي شديد الأهمية

ولفت "الجوهرى"، إلى أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة من الاضطراب السياسي والعسكري، وهناك توترات مرتبطة بإيران والخليج ومضيق هرمز، إلى جانب قضية أمن البحر الأحمر وباب المندب، والحرب في غزة والقضية الفلسطينية، والأوضاع في السودان وليبيا والقرن الأفريقي ولبنان، وهذه كلها مناطق وملفات لها تأثير مباشر أو غير مباشر على المصالح الصينية، لماذا؟ ، لأن الصين تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية والطاقة القادمة من الشرق الأوسط، وأي اضطراب في مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو باب المندب لا يمثل مشكلة إقليمية فقط بالنسبة لبكين، وإنما يمكن أن يتحول إلى مشكلة اقتصادية صينية، وهنا تظهر مصر باعتبارها دولة محورية في أمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط والعالم العربي وأفريقيا.

 

 



youm7.com