الطاقة المتجددة في السعودية تنتقل من مرحلة المبادرات إلى التوسع

تتسارع وتيرة التحول في قطاع الطاقة المتجددة بالسعودية، مع قفزة في السعة المشغلة للمشروعات بلغت 88 في المائة خلال عام 2025، لتصل إلى 12.313 غيغاواط بنهاية العام، بالتزامن مع استثمارات تجاوزت 36 مليار ريال (9.6 مليار دولار) في المشروعات القائمة، في مؤشر على انتقال القطاع من مرحلة إطلاق المبادرات إلى التشغيل والتوسع على نطاق أكبر.
وتُبرز هذه المؤشرات تنامي حجم المشروعات والاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة، الذي يشهد توسعاً في المملكة، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى تنويع مزيج الطاقة وتعزيز الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة.
وحسب أحدث بيانات «الهيئة العامة للإحصاء»؛ بلغ عدد مشروعات الطاقة المتجددة المشغلة في المملكة 15 مشروعاً بنهاية 2025، بينما يرى مختصون أن تسارع التنفيذ والاستثمارات في التقنيات النظيفة يمهدان لمرحلة توسع أكبر خلال السنوات المقبلة، تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، إلى جانب نمو الصناعات المرتبطة بها، وتوطين سلاسل الإمداد والكوادر المتخصصة.
وتأتي هذه الأرقام ضمن مبادرة «رقم سعودي» التي أطلقتها «الهيئة العامة للإحصاء»؛ بهدف تسليط الضوء على مجموعة من الأرقام والمؤشرات الإحصائية الوطنية، وإبراز دلالاتها وما تعكسه من تطورات في المجالات التنموية والاقتصادية والاجتماعية.
#رقم_سعودي88.0% سعة مشاريع الطاقة المتجددة التي تم تشغيلها خلال عام 2025. pic.twitter.com/dDjLzQfpze
— الهيئة العامة للإحصاء (@Stats_Saudi) September 6, 2026
تحولات تاريخية
وفي هذا الإطار، قال رئيس مجلس إدارة المعهد السعودي التقني للطاقة المتجددة (سباير)، المهندس ماجد الرفاعي، أن قطاع الطاقة المتجددة في المملكة يشهد تحولاً نوعياً غير مسبوق في تاريخها الاقتصادي الحديث، معتبراً أن هذا التحول لا يقتصر على زيادة حجم المشاريع الاستثمارية فقط؛ بل يمتد إلى جوانب أعمق وأكثر شمولاً تشمل سرعة التنفيذ الاستثنائية، ونضج المنظومة التنظيمية والإدارية، وتكامل شامل للبنية التحتية اللازمة لدعم هذه الصناعة الناشئة والواعدة.
وشرح أن هذه المؤشرات تعكس بوضوح انتقال حقيقي وملموس للمملكة، من مرحلة «إطلاق المبادرات الأولية» إلى مرحلة متقدمة جداً من «تشغيل المنظومة على نطاق واسع وعملي»، وأن هذا الانتقال يشير إلى نضج حقيقي في القدرات التنفيذية والتخطيطية.
وهذا النمو المتسارع والمثير يرتكز على 3 محاور رئيسية تعمل بتناغم وتكامل: أولاً تسارع تنفيذ مشاريع البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، وتوسع الاستثمارات المحلية والدولية في قطاع التقنيات النظيفة، بالإضافة إلى تحقيق المملكة أرقاماً قياسية عالمية في التنافسية، طبقاً للرفاعي.
وحسب المهندس الرفاعي، تؤكد هذه التطورات مجتمعة أن السعودية رسَّخت موقعها لاعباً رئيسياً في سوق الطاقة المتجددة عالمياً؛ مشيراً إلى أن هذا التحول يجري وفق رؤية استراتيجية تقودها وزارة الطاقة، بالتعاون مع صندوق الاستثمارات العامة، وتستند إلى تطوير المشروعات والبنية التحتية والقدرات المحلية اللازمة لنمو القطاع.

قاعدة اقتصادية مستدامة
وأوضح الرفاعي أن التحول في قطاع الطاقة المتجددة يمثل، من منظور صناعي واقتصادي، أحد المسارات المهمة لتنويع الاقتصاد السعودي، وبناء قاعدة إنتاجية أكثر متانة واستدامة. وقال إن أهمية هذه المرحلة تمتد إلى 4 أبعاد مترابطة، تشمل تنويع الاقتصاد وخلق قطاعات جديدة، وتعزيز أمن الطاقة واستدامة الإمدادات على المدى الطويل، وتحقيق آثار بيئية وتنموية، إلى جانب ترسيخ مكانة المملكة إقليمياً ودولياً.
وأضاف أن السعودية تتمتع اليوم بموقع متقدم على المستويين الإقليمي والعالمي، في مجالات تشمل تكلفة الإنتاج، وحجم المشروعات، وجاهزية البنية التحتية، وتطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر، معتبراً أن هذه المقومات تعزز جاذبية المملكة للتعاون والاستثمار في المرحلة المقبلة.
وتوقع الرفاعي أن تدخل المملكة خلال الفترة من 2026 إلى 2030 مرحلة جديدة من النمو في هذا القطاع، مدفوعة بدخول مشروعات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب توسع مشروعات الهيدروجين الأخضر على صعيدي الإنتاج والتصدير.
وأشار إلى أن المستهدف المعلن يتمثل في وصول حصة الطاقة المتجددة إلى 50 في المائة من مزيج الكهرباء بحلول 2030، معتبراً أن تسارع تنفيذ المشروعات وتنامي الاستثمارات يعززان قدرة المملكة على تحقيق هذا الهدف.
وفي ظل حجم المستهدفات، يرى الرفاعي أن التمويل الحكومي وحده لن يكون كافياً، ما يستدعي توسيع مشاركة القطاع الخاص المحلي والشركات العالمية في المشروعات المقبلة. وقال إن الشراكة بين القطاعين العام والخاص من شأنها جذب مزيد من الاستثمارات، والاستفادة من الخبرات والتقنيات العالمية، وتسريع تنفيذ المشروعات وتطوير سلاسل الإمداد المرتبطة بها.

التصنيع المحلي
وأوضح الرفاعي أن نمو مشروعات الطاقة المتجددة سيقود، بالتوازي، إلى اتساع الصناعات والخدمات المساندة لها، مع أهمية متزايدة لتوطين تصنيع المكونات والأجزاء الأساسية. وقال إن بناء قاعدة تصنيع محلية يسهم في خفض الاعتماد على الواردات، وخلق فرص عمل، وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وأضاف أن تسارع تنفيذ المشروعات يضع على عاتق المعهد السعودي التقني للطاقة المتجددة مسؤولية أكبر في إعداد الكفاءات اللازمة لهذه الصناعة؛ مشيراً إلى أن دوره «لا يقتصر على التدريب؛ بل يحمل أبعاداً استراتيجية متعددة».
استراتيجية المعهد
وأشار الرفاعي إلى أن الأولوية الأساسية للمعهد تتمثل في إعداد كوادر سعودية متخصصة وقادرة على تشغيل وصيانة مشروعات الطاقة المتجددة وفق المعايير العالمية، إلى جانب الإسهام في نقل المعرفة وتطوير المهارات ودعم الابتكار في هذا المجال.
وأوضح أن المعهد يعمل على تطوير برامج تدريبية متخصصة تشمل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والهيدروجين الأخضر، وتقنيات تخزين الطاقة، مع التركيز على الجانب العملي والتطبيقي، بما يربط التدريب بالاحتياجات الفعلية للمشروعات وسوق العمل.
وقال إن اتساع مشروعات الطاقة المتجددة يتيح للمعهد تعزيز دوره ليكون منصة لتطوير الكفاءات ونقل الخبرات ودعم الابتكار، وليس مجرد جهة للتدريب التقليدي، بما يواكب احتياجات قطاع يشهد نمواً متسارعاً في المملكة.
واختتم الرفاعي بالقول إن النمو الذي يشهده قطاع الطاقة المتجددة يمثل فرصة مهمة لتنويع الاقتصاد وخلق مجالات جديدة للنشاط والاستثمار، مشدداً على أن الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة تتطلب مواصلة الاستثمار في الكفاءات الوطنية، والبحث والتطوير والابتكار، وتعزيز الشراكات مع الشركات والمؤسسات المحلية والدولية.
aawsat.com