كوريا الجنوبية تراهن على مشروع غاز في تكساس لإرضاء ترمب

تتجه كوريا الجنوبية إلى تحويل تعهدها باستثمار 350 مليار دولار في الولايات المتحدة إلى أول مشروع كبير على الأرض، عبر محطة لتوليد الكهرباء بالغاز في ولاية تكساس تبلغ قيمتها نحو 22.3 مليار دولار، في خطوة تأتي في وقت تتعرض فيه الحكومة الكورية لضغوط أميركية للإسراع بتنفيذ التزاماتها الاستثمارية.
واختارت سيول محطة الغاز في مدينة «إنسينال» بولاية تكساس بوصفها أول مشروع محدد ضمن حزمة الاستثمارات التي تعهدت بها للولايات المتحدة مقابل خفض الرسوم الجمركية على وارداتها من السلع الكورية إلى 15 في المائة. ومن المتوقع أن تبلغ قدرة المحطة نحو 6.3 غيغاواط، لتوفير الكهرباء لمراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومنشآت أشباه الموصلات التي تتوسع في الولاية.
وتشير التقديرات الكورية إلى أن المشروع يمكن أن يحقق إيرادات تصل إلى نحو 45.4 مليار دولار على مدى 20 عاماً، بما يتجاوز قيمة الاستثمار الأساسي وفوائده، وفق ما أُبلغ به المشرعون في سيول. وتضع هذه العوائد المشروع في إطار استثمار تجاري، وليس مجرد التزام سياسي ضمن الصفقة الأميركية - الكورية.
وتأتي الخطوة في وقت يسعى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تسريع تنفيذ تعهد سيول البالغ 350 مليار دولار، الذي كان جزءاً من الاتفاق التجاري بين البلدين العام الماضي. ومن إجمالي الحزمة، خُصص مبلغ 150 مليار دولار للتعاون في مجال بناء السفن، فيما تتجه 200 مليار دولار المتبقية إلى مشروعات استراتيجية في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا.
ضغوط أميركية
وتكشف التطورات الأخيرة أن محطة تكساس أصبحت نقطة الانطلاق العملية للحزمة الاستثمارية، بعد أسابيع من المفاوضات بشأن طبيعة المشروعات وآليات تمويلها وملكية الأصول.
وكانت تقارير سابقة قد أفادت بأن حجم الاستثمار الكوري في مشروع الغاز يبلغ نحو 22.3 مليار دولار، إلا أن وزارة التجارة والصناعة والطاقة الكورية قالت في سبتمبر (أيلول) إن التفاصيل كانت لا تزال قيد التفاوض، ولم تؤكد حينها الصيغة النهائية للمشروع.
وحسب «رويترز»، أبلغت الوزارة المشرعين لاحقاً بأن سيول ستوفر التمويل للمشروع، على أن تكون الملكية في البداية مناصفة بين الطرفين. لكنّ مسؤولين أميركيين يسعون إلى هيكل ملكية طويل الأجل يحتفظ فيه الجانب الأميركي بنحو 90 في المائة، مقابل 10 في المائة للجانب الكوري، وفق ما نقلته وكالة «يونهاب» عن أحد المشرعين.
ولا تزال هذه التفاصيل خاضعة للمفاوضات، كما يتطلب تنفيذ الحزمة مراجعة من لجنة الاستثمار الحكومية الأميركية واستكمال المشاورات مع وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك. وقالت الرئاسة الكورية الجنوبية، الأربعاء، إن الرئيس ترمب ونظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ رحبا خلال اجتماعهما في نيويورك بـ«التقدم الكبير» الذي أُحرز في مشروعات الاستثمار الاستراتيجية.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد دعا، في وقت سابق، إلى الإسراع في تنفيذ التعهدات الاستثمارية الكورية خلال اجتماع مع وزير الخارجية الكوري تشو هيون، في إشارة إلى حجم الضغط الذي تتعرض له سيول لتسريع الاتفاقات.

الطاقة أولاً
ويعكس اختيار محطة الغاز في تكساس جانباً من التحول في احتياجات الاقتصاد الأميركي، حيث يزداد الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات ومنشآت تصنيع الرقائق، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة توسيع البنية التحتية اللازمة لدعم طفرة الذكاء الاصطناعي.
ومن هذه الزاوية، لا يمثل المشروع استثماراً كورياً في قطاع الطاقة الأميركي فحسب، بل يربط بين رأس المال الكوري والطلب المتنامي على الكهرباء الذي تولده الاستثمارات الأميركية في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
وكانت سيول قد قالت في وقت سابق إن محطة تكساس ستوفر الكهرباء لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والمنشآت المرتبطة بأشباه الموصلات، فيما تبلغ قدرتها أكثر من 6 غيغاواط.
ويأتي اختيار الغاز أيضاً في وقت تتسابق فيه الولايات المتحدة على إضافة قدرات توليد جديدة لمواكبة ارتفاع استهلاك الكهرباء، بينما تواجه شركات التكنولوجيا ضغوطاً لتأمين إمدادات مستقرة لمراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
النووي وألاسكا على الطريق
ولا تقتصر خطة سيول على محطة تكساس. فالمفاوضات تشمل أيضاً بناء ما يصل إلى ثمانية مفاعلات نووية كبيرة في الولايات المتحدة، ستة منها باستخدام تقنية «إيه بي 1000» التابعة لشركة «وستينغهاوس»، واثنان بتقنية «إيه بي آر 1400» الكورية الجنوبية. وفي حال تنفيذ المفاعلين الأخيرين، فسيكونان أول مفاعلين بتصميم كوري جنوبي يُبنيان في الولايات المتحدة.
كما تتفاوض سيول على شراء حصة تتراوح بين 5 و10 في المائة في «وستينغهاوس»، بعدما كانت قد سعت في وقت سابق إلى حصة أكبر. وتُقدّر قيمة الشركة على أساس تقييمات ما قبل طرحها العام المحتمل، ما يجعل قيمة الحصة الكورية مرتبطة بالتقييم النهائي للشركة.
ويأتي مشروع الغاز في مقدمة هذه الاستثمارات، فيما لا تزال مشاركة كوريا الجنوبية في مشروع الغاز الطبيعي المسال في ألاسكا قيد البحث. وتبلغ قيمة مشروع ألاسكا، الذي يحظى بدعم ترمب، نحو 50 مليار دولار، ويتضمن خط أنابيب بطول 1300 كيلومتر لنقل الغاز من شمال الولاية إلى «نيكيسكي» للتصدير إلى الأسواق الآسيوية.
وكانت سيول قد تعاملت بحذر مع المشروع، إذ وصفه وزير الصناعة الكوري العام الماضي بأنه «عمل عالي المخاطر»، فيما لم تتخذ الحكومة حتى الآن قراراً نهائياً بشأن المشاركة فيه.
وتشمل قائمة المشروعات المحتملة أيضاً التعاون الأميركي - الكوري في إعادة معالجة الوقود النووي المستنفد، إلى جانب مشروعات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، في وقت ترتبط فيه بعض هذه الملفات بمفاوضات أوسع حول التعاون النووي والدفاعي بين البلدين.
اختبار تجاري وسياسي
ويضع اختيار مشروع تكساس الحكومة الكورية أمام معادلة مزدوجة: الاستجابة لمطلب واشنطن بتسريع الاستثمارات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الجدوى التجارية للمشروعات التي ستُموّل من أموال كورية.
وكان وزير الصناعة الكوري كيم جونغ - كوان قد أكد أمام المشرعين أن الحكومة تتفاوض مع الولايات المتحدة بهدف اختيار مشروعات «قابلة للاستمرار تجارياً»، مشدداً على أن الاستثمارات ينبغي أن توسع دخول الشركات الكورية إلى السوق الأميركية وتوفر لها موطئ قدم في الأسواق العالمية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع استمرار المفاوضات حول توزيع الملكية والتمويل والعوائد. فالمشروع الذي تبلغ تكلفته نحو 22.3 مليار دولار لا يمثل سوى جزء من حزمة الـ200 مليار دولار المخصصة للاستثمارات الاستراتيجية، لكنه يشكل اختباراً مبكراً لكيفية تحويل التعهد السياسي الأكبر إلى مشروعات يمكن تبريرها على أساس العائد الاقتصادي.
وبعد اجتماع لي وترمب في نيويورك، قالت سيول إن الإطار الأكبر للحزمة الاستثمارية بات قريباً من الاكتمال، مع استمرار النقاش حول التفاصيل وآلية الإعلان النهائي. ومن المتوقع أن يكون مشروع تكساس نقطة البداية الفعلية في ترجمة التعهد الكوري إلى استثمارات أميركية ملموسة.