أزمة موازنة فرنسا تهدد بإطالة الشلل المالي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية

تواجه الحكومة الفرنسية برئاسة سيباستيان لوكورنو معركة شاقة لتمرير موازنة 2027، في ظل تمسك أحزاب المعارضة برفض خطط خفض العجز، وتصاعد المطالب بزيادة الإنفاق على الخدمات العامة التي تعاني نقص التمويل، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022. وتزداد الضغوط مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين، وسط محدودية قدرة الحكومة على حشد الدعم البرلماني.
تأجيل التصويت على الإيرادات
تخوض الموازنة اختباراً صعباً في الجمعية الوطنية، حيث أُرجئ التصويت على شق الإيرادات، الذي كان مقرراً الثلاثاء، إلى 27 أكتوبر (تشرين الأول)؛ لإتاحة المجال أمام مناقشة عدد كبير من التعديلات. وحذّر وزير الموازنة ديفيد أمييل من أن التعديلات التي أُقرّت حتى الآن قد تزيد عجز الموازنة بنحو 10 مليارات يورو (11 مليار دولار).
ويمنح الدستور البرلمان 70 يوماً لمناقشة مشروع الموازنة وتعديله، بدءاً بالجمعية الوطنية ثم مجلس الشيوخ، قبل عودته إلى الغرفة الأولى للتصويت النهائي. لكن المشروع قد لا يصل إلى هذه المرحلة إذا تمسكت المعارضة برفض خطة الحكومة لتحقيق وفورات بقيمة 54 مليار يورو؛ ما يضع لوكورنو أمام خيارات بديلة لتمرير الموازنة.

المادة 49.3 تعود إلى الواجهة
قد تلجأ الحكومة مجدداً إلى المادة 49.3 من الدستور، التي تتيح تمرير مشروع قانون من دون تصويت في الجمعية الوطنية. واستخدمت حكومات أقلية متعاقبة هذا المسار لتمرير موازنات منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في 2024، التي أفرزت برلماناً من دون أغلبية واضحة.
لكن تفعيل المادة يتيح للمعارضة طرح مذكرة لحجب الثقة عن الحكومة؛ ما قد يفرض عليها تقديم تنازلات لضمان بقائها، عادة للأحزاب الاشتراكية أو الوسطية أو المحافظة. ومع استعداد القوى السياسية للانتخابات الرئاسية لعام 2027، تبدو فرص التوصل إلى تسوية أقل وضوحاً.
وإذا أُسقطت الحكومة إثر تصويت على حجب الثقة، يسقط مشروع الموازنة، وتضطر الحكومة التالية إلى إعادة العمل عليه من جديد.
تمديد موازنة 2026
إذا انقضت مهلة الأيام السبعين من دون إقرار الموازنة، ولم تستخدم الحكومة المادة 49.3، فيمكنها اللجوء إلى قانون طارئ يمدّد العمل بموازنة 2026 إلى حين إقرار موازنة جديدة.
غير أن هذا الخيار قد يطيل حالة الجمود المالي؛ إذ يُتوقع أن يحلّ الرئيس المنتخب بعد انتخابات الربيع البرلمان ويدعو إلى انتخابات تشريعية جديدة؛ ما قد يؤخر إقرار موازنة كاملة لعام 2027 إلى النصف الثاني من العام، بالتزامن مع بدء إعداد موازنة 2028.
وحذّر تقرير لوزارة المالية من أن تمديد الموازنة قد يؤدي إلى شلل غير مسبوق في الإنفاق، ويجمّد الاستثمارات والزيادات المخطط لها في الإنفاق الدفاعي، في وقت تواصل فيه نفقات الرعاية الاجتماعية الارتفاع. وقد يتسع العجز بما لا يقل عن نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، بما يضعف ثقة المستثمرين ويزيد تكاليف الاقتراض.
المراسيم... الخيار الأكثر خطورة
أما إذا بقيت الحكومة في السلطة إلى ما بعد منتصف ديسمبر (كانون الأول) من دون موازنة، فقد تحاول إقرارها بمرسوم، متجاوزة البرلمان في أحد أهم التشريعات السنوية للدولة.
ولم يُستخدم هذا المسار قط في ظل الجمهورية الفرنسية الخامسة، ويرى خبراء قانونيون أنه خيار بالغ الخطورة قد يؤدي إلى تصويت بحجب الثقة. وعلى خلاف آلية المادة 49.3، فإن إسقاط الحكومة بعد إقرار الموازنة بمرسوم لا يؤدي تلقائياً إلى إبطالها.
لكن من المرجح أن يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون صعوبة في تشكيل حكومة جديدة قبل الانتخابات؛ ما قد يبقي حكومة لوكورنو في وضع تصريف الأعمال. وعملياً، قد تكون الموازنة الصادرة بمرسوم حلاً مؤقتاً إلى حين تمكن حكومة جديدة من الحصول على دعم برلماني لخطة مالية خاصة بها في أواخر 2027.
aawsat.com