سودان اندبندنت
خبر ⁄صحة

أجهزة ليزر على القمر لمساعدة المركبات الفضائية في الملاحة

أجهزة ليزر على القمر لمساعدة المركبات الفضائية في الملاحة

يحوي القطب الجنوبي للقمر فوهات دائرية تغطيها ظلال دائمة. والآن، يقترح باحثون اميركيون إمكانية استغلال هذه الفوهات كمواقع لأجهزة ليزر فائقة الثبات، يمكن أن تُستخدم يوماً ما باعتبارها معيار زمني قمرِي. ورغم أن الفكرة لا تزال مجرد اقتراح بالوقت الراهن، فإن مثل هذا «المعيار الزمني» سيُزامن الأنشطة على القمر وما وراءه، كما سيمكّن نظام ملاحة شبيه بنظام تحديد المواقع (GPS) للمركبات الفضائية، في مدار القمر والمركبات الجوالة على سطح القمر.

وحسب جون يي، زميل في «معهد جيلا»، (المعروف سابقاً باسم «المعهد المشترك للفيزياء الفلكية المختبرية») ـ معهد بحثي مشترك بين جامعة كولورادو بولدر والمعهد الوطني للمقاييس والتكنولوجيا، فإن هناك الكثير من الأسباب تجعل القمر موقعاً مثالياً لوضع ليزر مستقر، فالقمر غير نشط تكتونياً (زلزاليا)، وبالتالي هناك اهتزازات أقل تؤثر على الليزر، مقارنةً بالأرض. كما أنه يفتقر إلى غلاف جوي يمكن أن يؤثر على مرايا الليزر.

توفر الفوهات القمرية، التي لا تتعرض لضوء الشمس المباشر، مزايا إضافية. وتتسم هذه المناطق، التي تُعد من أحلك وأبرد الأماكن على مستوى النظام الشمسي، بدرجات حرارة شديد الانخفاض تُقارب 50 درجة كلفن(223.1 درجة مئوية تحت الصفر) داخل هذه الفوهات التي تغطيها الظلال دائماً، ما يقلل بدرجة كبيرة أي اهتزازات عشوائية بسبب الحرارة، قد تتعرض لها مرايا الليزر. بجانب ذلك، احتجزت هذه الفوهات مخزوناً كبيراً من جليد الماء على امتداد ملايين السنين، ما يجعلها أساسية في خطط استكشاف القمر على المدى الطويل. وعن ذلك، قال يي: «من الممكن بناء أكثر ليزر ثباتاً في العالم على القمر.»

الساعة الذرية القمرية والملاحة

يمكن لليزر استثنائي الثبات أن يصبح أساساً لمعيار زمني قمري، مبني على ما سيكون أول ساعة ذرية على جرم خارج الأرض. تستخدم الساعات الذرية البصرية حزم ليزر متقاطعة، لحصر ومراقبة الاهتزازات الكمومية للذرات للحفاظ على الزمن بدقة. يقترح يي وزملاؤه أن ليزراً قمرياً مستقراً قد يدعم ساعة زمنية تضاهي أدق الساعات الذرية البصرية على الأرض. وقد نشر العلماء اقتراحهم في الثامن من مايو (أيار)، في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (Proceedings of the National Academy of Sciences).

جدير بالذكر أن أنظمة تحديد المواقع العالمي، وأنظمة الأقمار الصناعية الملاحية الأخرى على الأرض، تعتمد ، على ساعات ذرية موجودة على الأقمار الصناعية، لإرسال إشارات زمنية دقيقة، التي يستخدمها جهاز الاستقبال لتحديد موقعه، عبر دراسة الزمن المستغرق لوصول الإشارات من كل قمر صناعي مرئي. وبطريقة مشابهة، يمكن لساعة ذرية بصرية قمرية أن تضع الأساس لإرسال إشارة شبيهة بـ «جي بي إس» تُساعد في توجيه المركبات الفضائية والمركبات الجوالة على سطح القمر.

وبسب المقترح، فإن غياب التشويش الجوي على القمر، سيزيد سهولة اتصال هذا الليزر بالأقمار الصناعية حول القمر، والأرض ومشاركة تردده المستقر للغاية. وبفضل هذا المرجع المشترك، يمكن للتلسكوبات في هذه النقاط أن تعمل معاً، وكأنها تلسكوب واحد ضخم عبر تكنولوجيا تُعرف بالتداخل مديد القاعد، للتصوير العميق للمساحة واكتشاف موجات الجاذبية. كما يمكن أن يخدم هذا الليزر الرئيس كعمود فقري لشبكات كمومية بالفضاء شبه منيعة في مواجهة الاختراق.

بناء الليزر

لتشييد ليزر ثابت داخل فوهة قمرية مظللة دائماً، يتصور يي أن يتولى رواد الفضاء أولاً تركيب مكون رئيس يُعرف بتجاويف السيليكون، عبارة عن كتلة من السيليكون، تسمح فقط بترددات ضوئية معينة بالانعكاس ذهاباً وإياباً بين مراياٍ في كل طرف من الكتلة. المسافة بين المرآتين تحدد أي الترددات مسموح لها بالتردد. وفي ظل وجود تجويف عالي الاستقرار، تظل تلك المسافة وتلك الترددات عند أدنى حد ممكن من التغيرات.

ويشير الباحثون إلى أنه عبر إشعاع أي حرارة متبقية من التجويف باتجاه برودة الفضاء الخارجي الهائل، يمكن تبريده أكثر حتى 16 كلفن (-257.1 درجة مئوية) ، دون الحاجة إلى أي معدات إضافية. عند هذه الدرجة، لا يتمدد السيليكون ولا ينكمش عند التعرض لتغيرات طفيفة في الحرارة. وهذا يعني أن المسافة بين مرايا التجويف ستبقى ثابتة.

من جهته، قال يي: «في تجاوِيف السيليكون في مختبراتنا، نحتاج إلى مبرد لخفض الحرارة، ومضخة تفريغ لإزالة الهواء من التجويف الفارغ والحفاظ على فراغ عالٍ، ومنصة عزل للاهتزازات. كل هذه الشروط يمكن تلبيتها بطريقة تلقائية في المناطق المظللة دوماً على القمر، من دون استخدام أي آلات فعالة. وكان هذا مرضياً لي للغاية».

بمجرد وضع تجويف السيليكون في مكانه، سيضع رودا الفضاء ليزراً عالي القدرة بالقرب منه، إما على حافة الفوهة أو داخلها. هذا الليزر سيُوجّه بعض ضوئه نحو التجويف، والنبضة المستقرة التي يعيدها التجويف إلى الليزر ستساعد بدورها على تثبيت كل الأشعة الأخرى التي قد يصدرها الليزر.

وأخيراً، فإنه قد يبدو مفهوم بناء ليزر في فوهة قمرية بمثابة «قفزة كبيرة»، لكن وكالة «ناسا» قد اختارت بالفعل مناطق قرب فوهات القطب الجنوبي للقمر باعتبارها مواقع هبوط ببرنامج «أرتميس». ويمكن لمركبة «أرتميس» أن تنقل تجويف السيليكون مُجمَّعًا بالكامل من الأرض إلى القمر، حسبما قال وي تشانغ، مهندس بصريات في مختبر الدفع النفاث التابع لـ»ناسا». وسيستخدم الرواد مركبة قمرية آلية يتحكمون بها عن بُعد، أو ميكانيكياً لخفض التجويف إلى داخل الفوهة.

وهنا، تساءل يي: «السؤال الكبير يتركز حول جدوى هذا المخطط»، مضيفاً «ربما نبدأ أولاً بوضع تجاويف السيليكون على أقمار صناعية في مدار قريب من الأرض».

aawsat.com