سودان اندبندنت
خبر ⁄صحة

كشف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

كشف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

تنتشر مقاطع الفيديو التي تُقدِّم للطلاب عروضاً مغرية عن الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي: دعوا الذكاء الاصطناعي يقوم بواجباتكم المنزلية... مع أحدث التقنيات... لن يتم كشفكم... إذا كنتم تكرهون الكتابة فيمكنكم تجنبها. وحتى شركات تكنولوجيا التعليم العريقة تُسوِّق لنفسها بطريقة غير مباشرة.

أدوات «مُحسِّنات اللغة» و«الكتابة التلقائية»

أصبحت هذه الأنواع من الدروس التعليمية منتشرة بكثرة على منصتَي «تيك توك» و«يوتيوب». تُظهر هذه الدروس للطلاب كيفية استخدام أدوات تُعرَف باسم «مُحسِنات اللغة البشرية» و«الكتابة التلقائية»، مما يجعل الغش أسهل من أي وقت مضى. تستهدف مقاطع الفيديو - التي تُصنّف أحيانا كإعلانات، وأحيانا أخرى لا - طلاب الجامعات والمدارس الثانوية.

وتعيد «مُحسِّنات اللغة البشرية» صياغة النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لجعلها تبدو أقل آلية ونمطية وابتذالاً. أما «الكتابة التلقائية» فتُضيف الكلمات والجمل تدريجياً إلى المستندات، ما يجعلها تبدو وكأنها كُتبت بسرعة بشرية، بينما هي في الواقع من إنتاج الذكاء الاصطناعي؛ بل إن الأدوات تختلق الأخطاء المطبعية والحذف والتعديلات.

التحايل على برامج الكشف

وتساعد كلتا الأداتين الطلاب على التحايل على البرامج المصممة لكشف الذكاء الاصطناعي.

وتسعى الجامعات والمدارس جاهدة لمواكبة هذا التطور؛ إذ بات كَشْف الذكاء الاصطناعي مكلفاً للغاية. ولكن التربويين الذين يحاولون تقييد تقنية الذكاء الاصطناعي، خوفاً من عدم اكتساب الطلاب المهارات الأساسية، غالباً ما يتخلفون عن الرَّكْب، فيما يسميه رواد صناعة التكنولوجيا «سباق تسلح في مجال الكشف».

الشركات تسوِّق البرامج

في بعض الحالات، تقوم الشركات نفسها التي تبيع أدوات الكشف بتطوير تطبيقات تُمكِّن الطلاب من الغش، بما في ذلك كتابة البحوث نيابة عنهم أو إعادة صياغة نصوص كتبها آخرون. وتَعِد هذه التطبيقات بمساعدتهم على تجنب اتهامات سوء السلوك من خلال فحص أعمالهم قبل تقديمها، ما يسمح لهم بإعادة كتابة المقاطع التي يُحددها الذكاء الاصطناعي. حتى الطلاب الملتزمون غالباً ما يكونون على استعداد لدفع ما بين 10 و20 دولاراً شهرياً مقابل الأدوات المتميزة؛ لأن كاشفات الذكاء الاصطناعي قد تُشير أحياناً إلى أعمال مشروعة.

ووصفت جيني ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «Superhuman»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «Grammarly» سباق الكشف والتحايل بأنه «طريق مسدود في نهاية المطاف». لذلك حثت المعلمين على التسليم بأن معظم الكتابة المستقبلية ستُنتَج بشراكة بين الذكاء الاصطناعي والتمييز البشري.

أخطاء مطبعية تبدو واقعية

حتى قبل ظهور روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كان الإنترنت قد سهَّل عمليات الغش، ويرجع ذلك جزئياً إلى الآلية البسيطة المتمثلة في النسخ واللصق (السرقة الأدبية).

أما الآن، فقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً؛ إذ تشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن نحو ثلثي الطلاب الأميركيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام في إنجاز مهامهم الدراسية. ورغم أن نسبة ضئيلة فقط -نحو 9 في المائة- اعترفت بممارسة الغش الصريح في إحدى الدراسات الموسعة، فإن جانباً كبيراً من استخدام الذكاء الاصطناعي يقع في منطقة رمادية أخلاقية.

وقد كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة «كوليدج بورد» (College Board) وشمل أساتذة جامعيين، أن ثلاثة أرباعهم أفادوا بأن طلابهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الكتابة، كما أعرب أكثر من 90 في المائة من المشاركين عن قلقهم بشأن السرقة الأدبية وعدم النزاهة الأكاديمية. وقد شهدت مؤسسات تعليمية كثيرة ارتفاعاً حاداً في حالات التأديب المتعلقة بسوء السلوك الأكاديمي، التي يرتبط كثير منها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

«تشات جي بي تي» و«جيميناي»

وتُعد أداتا: «تشات جي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي»، و«جيمنياي» من شركة «غوغل» الأكثر شيوعاً بين الطلاب.

لكن إضافةً إلى هذه الشركات العملاقة، يزخر السوق بمنافسة شرسة، تشمل مزودي تكنولوجيا التعليم التقليديين والشركات الناشئة الصغيرة؛ حيث تستخدم جميعها وسائل التواصل الاجتماعي لإقناع الشباب بأن حياتهم الدراسية قد تصبح أسهل -بل أسهل بكثير- إذا تبنوا تقنيات الذكاء الاصطناعي.

شركات ناشئة تعلم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح

وتقوم بعض الشركات الناشئة بتعليم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح. وفي المقابل، غالباً ما تحث الشركات الراسخة الطلاب على استخدام أدواتها بمسؤولية، بوصفها وسائل مساعدة في الدراسة والبحث والشحذ الذهني، وإعداد الخطوط العريضة والمراجعة. ومع ذلك، فإن كثيراً منها يُنتج في الوقت نفسه تقنيات يمكن استخدامها بسهولة لارتكاب السرقة الأدبية والغش؛ إذ تطرح إعلانات ذات طابع ساخر تلمح إلى قدرتها على مساعدة الطلاب في الإفلات من المساءلة أو تمرير أعمالهم دون كشف حقيقتها.

أما الشركات الأصغر حجماً، فتكون أحياناً أكثر مباشرة؛ ففي مقطع فيديو على منصة «تيك توك»، يستعرض كارتر سميث -وهو مؤثر شاب في مجال التكنولوجيا يُعرف باسم «CarterPCs»- بحماس أمام المشاهدين، كيف يمكن لتطبيق يُدعى «Grubby AI» (المتخصص في الكتابة الآلية ومحاكاة الأسلوب البشري) أن يجعل المقال -الذي أُنتج في الواقع بواسطة «تشات جي بي تي» يبدو وكأن شخصاً ما قد كتبه بأسلوب طبيعي وعفوي.

يتمتع سميث بقاعدة جماهيرية ضخمة تضم 6.5 مليون مستخدم على «تيك توك». ورغم أن الفيديو لم يُصنَّف كإعلان، فإن سميث كان قد عرَّف نفسه سابقاً بصفته شريكاً مدفوع الأجر لشركة «Grubby AI».

ولم يستجب كل من التطبيق، وسميث، ووكالة المواهب التي تمثله «Rakugo Media»، لطلبات إجراء مقابلات صحافية.

تطبيقات الكتابة التلقائية

وتُعد تطبيقات الكتابة الآلية (أو المحاكية للكتابة البشرية) استجابةً لواقع قيام كثير من المعلمين والأساتذة الجامعيين حالياً بفحص «سجل إصدارات» المستند، بحثاً عن مؤشرات تدل على استخدام الذكاء الاصطناعي. إذا ظهرت فجأة ألف كلمة في مستند «وورد» (Word) أو «غوغل» عند الساعة 11:59 ليلاً، فقد يعني ذلك أن الطالب قد نسخ نصاً أعدَّه «روبوت محادثة» (chatbot) وألصقه في المستند. وتعمل أداة «GrubbyAI» وكثير من منافساتها على إيجاد طرق للالتفاف على تلك الأنظمة.

يذكر موقع «Dripwriter» الإلكتروني أن التطبيق يوفر «تصحيحات واقعية للأخطاء الإملائية» بالإضافة إلى «الكتابة التلقائية في الخلفية، بحيث يستمر عملك في كتابة مقالتك حتى عند ابتعادك عنها».

أما تطبيق «Duey.ai»، الذي يصف نفسه بأنه «أفضل تطبيق للكتابة التلقائية لـ(Google Docs)»، فيخبر مستخدميه أنهم عندما يكونون متعبين أو مشغولين جداً بحيث لا يستطيعون التركيز، أو حتى عندما يكونون مع أصدقائهم: «ستبدو الوثيقة كما لو أنهم كتبوها بأنفسهم».

إنها سوق مزدحمة، تظهر فيها شركات ناشئة باستمرار. وقد أخبر مقطع فيديو على «تيك توك» الطلاب عن تطبيق آخر (Typeflo)، بإمكانهم الاسترخاء، ومشاهدة عروض «يوتيوب» وتناول شطيرة، بينما يكتب هذا التطبيق مقالاتهم نيابة عنهم.

أدوات «تفعل كل شيء»

يزداد قلق بعض الأساتذة بشأن تطبيق «غرامرلي» (Grammarly)، وهو تطبيق موجود منذ 17 عاماً كأداة تدقيق إملائي قوية. ويُقدم التطبيق الآن أداة «تحديد المؤلف» التي تُساعد الأساتذة على كشف أي تجاوزات ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تحليل سجل إصدارات المستند.

في الوقت نفسه، يُتيح التطبيق للطلاب إنشاء نصوص من الصفر، وإضفاء طابع بشري عليها، ومسح واستبدال العبارات التي قد تُفعِّل أنظمة كشف الذكاء الاصطناعي.

كما يُوفر «غرامرلي» أداة لإعادة الصياغة تُعيد كتابة أي نص منشور ينسخه الطالب ويلصقه في علامة تبويب المتصفح، وهو ما يُمكن اعتباره نوعاً من أنواع الانتحال.

وينصح «غرامرلي» الطلاب باستخدام ميزات إنشاء النصوص «بمسؤولية»، من خلال توثيق كل استخدام للذكاء الاصطناعي في البحث. ولكن الشركة تنشر أيضاً إعلانات توحي بأن الطلاب يمكنهم استخدام التطبيق لنَسَب كتابات من إنتاج الذكاء الاصطناعي إلى أنفسهم: «اكتشف نص الذكاء الاصطناعي؛ فنحن في عام 2026 بعد كل شيء»، كما جاء في أحد منشورات «تيك توك»: «حدد صياغة الذكاء الاصطناعي، واختر التعديلات التي تبدو لك صادقة».

ومثل غيرها من المديرين التنفيذيين في مجال الذكاء الاصطناعي، قالت ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «سوبر هيومان»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «غرامرلي»، إن الغش كان موجوداً دائماً، ولكنه لا يمثل سوى نسبة ضئيلة -قدَّرت أنها 10 في المائة- من استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي.

الأدوات الذكية تعيق تفكير الطلاب

ومع ذلك، يقول التربويون المحبَطون، إن الذكاء الاصطناعي يعيق تفكير الطلاب. وقد أظهر كثير من الدراسات أن الأشخاص الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي قد يعانون من «التفريغ المعرفي»، وهي عملية يفشلون في اكتساب مهارات جديدة عَبرها، أو تتدهور مهاراتهم الحالية.

وأشار جورج كوساك، مدير مبادرات الذكاء الاصطناعي الأكاديمية في كلية كارلتون، إلى أن برنامج «غرامرلي» يُسوَّق للطلاب على أنه أداة مساعدة بسيطة، بينما هو في الواقع «مجموعة أدوات تقوم بكل شيء نيابة عنك». وأضاف: «أجد أن التطبيقات التي تُسوَّق صراحة على أنها أدوات غش أقل إشكالية من تلك التي تُسوَّق على أنها «مساعدة».

* خدمة «نيويورك تايمز».

aawsat.com