سودان اندبندنت
خبر ⁄صحة

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

يعيش الرجال في مختلف دول العالم في المتوسط أعماراً أقصر من النساء، ويواجهون معدلات أعلى من الوفاة المبكرة بسبب أمراض يمكن الوقاية من جزء كبير منها، أو اكتشافها في مراحل مبكرة. ورغم التقدم الكبير الذي شهدته الرعاية الصحية خلال العقود الأخيرة، لا تزال صحة الرجل تمثل تحدياً صحياً ومجتمعياً يستحق التوقف عنده، ليس بسبب الاختلافات البيولوجية وحدها، بل أيضاً نتيجة أنماط سلوكية وثقافية تؤثر بصورة مباشرة في طريقة تعامل الرجال مع صحتهم، وطلبهم للرعاية الطبية.

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن النساء يعشن في المتوسط فترة أطول من الرجال في جميع دول المنظمة تقريباً، حيث بلغ متوسط الفجوة في العمر المتوقع عام 2023 نحو 5.2 سنوات. ويرى الباحثون أن هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها بالعوامل الوراثية وحدها، بل ترتبط أيضاً بعوامل قابلة للتعديل، مثل التدخين، والسمنة، وضعف النشاط البدني، وتأخر إجراء الفحوصات الوقائية، فضلاً عن التردد في طلب الرعاية الصحية عند ظهور الأعراض الأولى للمرض.

لماذا يعيش الرجال أعماراً أقصر؟ إن الجزء الأكبر من الفجوة الصحية بين الجنسين يرتبط بالسلوك الصحي، ونمط الحياة. فالرجال أكثر عرضة للانخراط في بعض السلوكيات عالية الخطورة، وأقل ميلاً إلى الاستفادة من برامج الوقاية، والفحص المبكر.

وفي كثير من الأحيان لا يُنظر إلى الفحص الدوري باعتباره جزءاً من الرعاية الذاتية، بل يُؤجل إلى حين ظهور أعراض واضحة. وهنا تكمن المشكلة؛ إذ إن العديد من الأمراض المزمنة تبدأ بصمت، وتستمر سنوات قبل أن تعطي إشارات تحذيرية واضحة. وعندما تظهر الأعراض تكون بعض فرص الوقاية أو العلاج المبكر قد ضاعت بالفعل.

البروفسور صالح بن صالح

رؤية وطنية لتعزيز صحة الرجل

وفي هذا السياق، يؤكد البروفسور الأستاذ الدكتور صالح بن صالح، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لصحة الرجل (SSMH)، أن قضية صحة الرجل لم تعد شأناً طبياً محدوداً، بل أصبحت قضية تنموية ووطنية ترتبط بجودة الحياة، والإنتاجية، واستدامة النظام الصحي، ويقول:

«تمثل صحة الرجل في المملكة العربية السعودية تحدياً صحياً وتنموياً في الوقت نفسه؛ فارتفاع معدلات السمنة، والسكري، وأمراض القلب، إلى جانب تأخر كثير من الرجال في طلب الرعاية، أو إجراء الفحوصات الوقائية، كل ذلك يجعلنا أمام قضية لا يمكن التعامل معها باعتبار أنها موضوع طبي محدود، بل أصبحت أولوية وطنية ترتبط بجودة الحياة، والإنتاجية، واستدامة النظام الصحي. وفي المقابل، تملك المملكة اليوم فرصة تاريخية لبناء نموذج متقدم في صحة الرجل، مستفيدةً من التحول الصحي، والطب الوقائي، والصحة الرقمية، وتنامي الوعي المجتمعي.

ورؤيتنا أن ننتقل من مرحلة علاج المرض بعد ظهوره إلى مرحلة استباقية تقوم على الكشف المبكر، وتكامل الرعاية الأولية، والتخصصية، وتأسيس مسارات واضحة لصحة الرجل تشمل القلب، والسكري، والسمنة، والصحة النفسية، والصحة الجنسية والإنجابية، وسرطانات الرجال.

وفي هذا السياق نرى أن من أهم الحلول الممكنة تبنّي مفهوم عيادات صحة الرجل، واستحداث برامج فحص في أماكن العمل، وربط الصحة الجنسية بالصحة القلبية، والاستقلابية، وإنشاء سجل وطني لمؤشرات صحة الرجل.

إن الاستثمار في صحة الرجل ليس رفاهية طبية، بل إنه استثمار مباشر في الأسرة، والمجتمع، والاقتصاد، وجودة الحياة».

وتؤكد البيانات العلمية أن هذه الرؤية لا تقتصر على الجانب النظري، بل تتمثل في مجموعة من الأمراض، والمشكلات الصحية التي لا تزال تحصد أرواح الرجال، أو تؤثر في جودة حياتهم، رغم أن كثيراً منها قابل للوقاية، أو الاكتشاف المبكر.

أمراض شائعة

> أمراض القلب. تظل أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة على مستوى العالم. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أنها تسببت في نحو 19.8 مليون وفاة عام 2022، أي ما يقارب 32 في المائة من جميع الوفيات العالمية. كما أن 85 في المائة من هذه الوفيات تعود إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

والمثير للقلق أن كثيراً من عوامل الخطر المؤدية إلى أمراض القلب يمكن اكتشافها مبكراً، والسيطرة عليها، مثل ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، والسكري، والتدخين، والسمنة، وقلة النشاط البدني. ومع ذلك، فإن عدداً كبيراً من الرجال لا يعلمون بإصابتهم بهذه المشكلات إلا بعد حدوث مضاعفات خطيرة.

> الصحة النفسية: حين يصبح الصمت خطراً. إذا كانت أمراض القلب تمثل القاتل الجسدي الأول، فإن مشكلات الصحة النفسية تمثل أحد أكثر التحديات الصحية صمتاً، وتعقيداً. فالاكتئاب، والقلق، والضغوط النفسية لا تقل خطورة عن الأمراض الجسدية، لكنها غالباً ما تحاط بدرجة أكبر من الصمت، والتردد في طلب المساعدة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 720 ألف شخص يموتون بسبب الانتحار سنوياً حول العالم، وأن الانتحار يعد ثالث سبب للوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً. كما تُظهر البيانات في العديد من الدول أن معدلات الوفاة بالانتحار أعلى بين الرجال مقارنة بالنساء.

ويرى المختصون أن أحد الأسباب الرئيسة لذلك يتمثل في تأخر طلب الدعم النفسي، أو الامتناع عنه. فبعض الرجال لا يزالون ينظرون إلى التعبير عن الضغوط النفسية أو المشكلات العاطفية على أنه نوع من الضعف، في حين تؤكد العلوم الطبية أن طلب المساعدة النفسية يمثل خطوة إيجابية ومسؤولة للحفاظ على الصحة العامة، وجودة الحياة.

> السرطان والفحص المبكر. من بين أهم الإنجازات الصحية الحديثة أن كثيراً من أنواع السرطان أصبحت قابلة للكشف المبكر، والعلاج الفعال، إذا تم تشخيصها في الوقت المناسب. ومن أبرز الأمثلة على ذلك سرطان القولون والمستقيم الذي يعد ثالث أكثر أنواع السرطانات شيوعاً عالمياً.

ووفقاً للوكالة الدولية لأبحاث السرطان، تم تسجيل أكثر من 1.9 مليون حالة جديدة من سرطان القولون والمستقيم عام 2022، كما تسبب المرض في أكثر من 900 ألف وفاة حول العالم. ورغم هذه الأرقام، فإن هذا النوع من السرطان يُعد من أكثر السرطانات التي يمكن الوقاية منها، أو اكتشافها مبكراً من خلال برامج الفحص المنتظمة.

وتوصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية (CDC) ببدء الفحص المنتظم لمعظم البالغين اعتباراً من عمر 45 عاماً، مع مراعاة عوامل الخطورة، والتاريخ العائلي.

أما سرطان البروستاتا، فيعد من أكثر السرطانات شيوعاً بين الرجال. وتوصي الهيئات العلمية بأن يناقش الرجال، خصوصاً بين سن 55 و69 عاماً، خيارات الفحص مع أطبائهم لاتخاذ القرار الأنسب وفق عوامل الخطورة الفردية. والهدف ليس إجراء الفحوصات بصورة عشوائية، بل الوصول إلى توازن بين فوائد الكشف المبكر وتجنب التدخلات غير الضرورية.

• السمنة والسكري. وهي من أخطر عوامل الخطر على صحة الرجل. وشهدت العقود الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات السمنة، وزيادة الوزن على مستوى العالم، وأصبحت هذه الظاهرة أحد أهم العوامل المساهمة في انتشار الأمراض المزمنة. فالسمنة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمراض القلب، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وبعض أنواع السرطان. وفي المملكة العربية السعودية أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024 أن نسبة السمنة بين السكان بعمر 15 سنة فأكثر بلغت 23.1 في المائة، بينما بلغت نسبة زيادة الوزن 45.1 في المائة. وهي أرقام تعكس حجم التحدي الصحي المرتبط بأنماط الحياة الحديثة.

كما تشير بيانات الاتحاد الدولي للسكري إلى أن معدل انتشار السكري بين البالغين في المملكة يبلغ نحو 23.1 في المائة، وهو من أعلى المعدلات عالمياً. وتعكس هذه المؤشرات أهمية تعزيز النشاط البدني، وتحسين العادات الغذائية، والحد من عوامل الخطر التي تؤدي إلى الإصابة بالأمراض المزمنة.

• الصحة الجنسية: رسالة مبكرة من الجسم. لا تقتصر صحة الرجل على القلب، أو الوزن، أو الفحوصات الدورية، بل تشمل أيضاً الصحة الجنسية التي تمثل جزءاً مهماً من الصحة العامة، وجودة الحياة. وتشير دراسات عديدة إلى أن بعض المشكلات الجنسية قد لا تكون مجرد مشكلات موضعية، بل قد تمثل أحياناً مؤشراً مبكراً على وجود أمراض كامنة، مثل السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب والأوعية الدموية.

ومن الأمثلة المعروفة في هذا المجال ضعف الانتصاب الذي قد يكون في بعض الحالات إحدى العلامات المبكرة على وجود اضطرابات وعائية أو استقلابية تحتاج إلى تقييم طبي. ونظراً لأهمية هذا الموضوع، وتشعب جوانبه الطبية، والنفسية، والاجتماعية، فإننا لن نتوسع في مناقشته هنا، على أن نفرد له مقالاً مستقلاً في عدد قادم.

aawsat.com