إعلان

سياسة

لماذا يريد بلير الأبيض حكم غزة

خبرالثلاثاء، 07 أكتوبر 20255 مشاهدة
لماذا يريد بلير الأبيض حكم غزة
انتهى زمن المبعوث الدولي للسلام، وبدأ زمن الحاكم السامي على المنطقة، الذي تؤول إليه سلطات الأمر الواقع سياسيًا وأمنيًا وكذلك ثقافيًا. ويبدو أن توني بلير سيكون الوجه الذي سيجرّ معه متغيرات كثيرة.

 

تحملوا عبء الرجل الأبيض

أرسلوا أفضل سلالاتكم

اذهبوا وألزموا أبناءكم المنفى

لخدمة حاجة أسراكم

اخدموهم والجموهم بشدة

فهم قوم مكسورون ومتوحشون

هم شعوبكم المتجهمة التي تم اصطيادها حديثًا،

شعوب نصف آدمية، نصفهم شيطان ونصفهم طفل.

في عام 1899، صاغ الشاعر البريطاني روديارد كِبلينغ قصيدته الأشهر "عبء الرجل الأبيض"، وذلك في إطار سياسي لحث الولايات المتحدة على احتلال الفلبين أثناء الحرب الإسبانية الأميركية، التي انتهت بفرض سيطرة واشنطن على الفلبين وبورتوريكو وجزيرة غوام.

في القصيدة دعا كِبلينغ الأميركيين لحمل العبء الثقيل للإمبراطورية البريطانية، حمل شعلة التنوير ونشر مبادئ الثقافة الغربية، مُحرِّضا إياهم على التوسُّع الإمبراطوري لتحرير الشعوب التي وصفها بالبربرية والتوحُّش.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

من هذا المنطلق، لم تعكس القصيدة الشعور العنصري بـ"التفوُّق العرقي" للرجل الأبيض فحسب، بل ومجَّدت مظاهر السلطة الاستعمارية، التي منحت الدول الإمبريالية تبريرا مناسبا للتوسُّع الإمبراطوري واستعمار الدول الأفريقية والآسيوية.

ويقول عن ذلك المؤلف الفلسطيني عادل سعيد بشتاوي في كتابه "تاريخ الظلم الأميركي"، إن الشاعر البريطاني لم يكن يدرك أن الولايات المتحدة فور أن تحمل عبء الثقافة الغربية الثقيل، ستزيح الإمبراطورية البريطانية نفسها عن عرشها، وتتربَّع هي قوة عظمى وحيدة على العالم.

في نظر كِبلينغ، ثمَّة شعوب عاجزة عن ممارسة السياسة الرشيدة بما يكفي لإدارة شؤونها، وهو مفهوم شاع في عصر الاستعمار لتبرير الغزو وفرض النفوذ من أجل توسيع الحضارة الغربية وقيمها، ثمَّ سرعان ما تحوَّل إلى غطاء سياسي عبر نظام الانتداب والحماية.

اليوم، تتجسَّد هذه الأيديولوجية في شكل "وصاية دولية" تُمارس على الكثير من مناطق النزاع، فيما يُمكن اعتباره امتدادا للاستعمار بصورة جديدة، تتجاوز فكرة السيادة وحق تقرير المصير وتحرم الشعوب منها.

إعلان

في السياق العربي، نُظر إلى العبء الأبيض على أنه امتداد لهيمنة تمارسها القِوى الغربية على مفاهيم الثقافة والحداثة والديمقراطية في المجتمعات غير الغربية. ليست هذه الهيمنة اقتصادية أو سياسية فحسب، بل تمتد إلى الحقل المعرفي، بحيث تُعرَّف "القِيمة" و"المعيار" غربيًا، وتُصبح المعرفة المحلية متأخرة من حيث السبق، ومتلقية من حيث الإضافة.

على سبيل المثال، في كتاب الاستشراق، يُشير إدوارد سعيد إلى أن النص الاستشراقي "يزدهر بالأشكال التي وصفتها صفحات الكتب والمجلات المنشورة بالعربية بتحليلات من الدرجة الثانية يكتبها عرب عن العقل العربي وعن الإسلام". أي أنه حتى الأصوات العربية قد تشارك، بوعي أو دون وعي، في إنتاج فكر تابع يُعيد إنتاج الصور النمطية التي صنعها المستشرقون.

مرَّ أكثر من مئة عام على قصيدة كِبلينغ، ولم تتخلَّ الولايات المتحدة بَعْد عن أيديولوجيتها "الأبوية" الساعية لما تُسميه واشنطن بـ "تحرير الشعوب" عبر فرض الوصاية والاستعمار، رُغم فشلها المرة تلو المرة، وآخرها في حربي العراق وأفغانستان.

ففي 29 سبتمبر/أيلول، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن خطته لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة. نجم الخطة، للمفارقة، هو ذاته الرجل الذي شارك واشنطن غزوها العراق لنشر الحرية في الشرق الأوسط قبل عقديْن: رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.

أعلن ترامب عن خطته بوصفها حدثا استثنائيا بإمكانه إحلال السلام الأبدي في الشرق الأوسط، فقد اقترح وضع قطاع غزة تحت "الوصاية الدولية"، على طريقة فرض الحماية والانتداب البريطاني القديم، مُعلِنا عن تأسيس هيئة أطلق عليها اسم "مجلس السلام"، يتولى فيها بلير إدارة القطاع في الفترة الانتقالية، على أن يتقلَّد ترامب نفسه رئاسة المجلس.

يعود ترامب إلى منطق كبلينغ، ويصبح الاستعمار تضحية بطولية تستحق جائزة دولية للسلام، حيث تُجبر الأمم البيضاء على إرسال أبنائها ليعيشوا في المهجر من أجل خدمة الشعوب المستعمَرة، وكأنما تلك الشعوب لا تستحق ولا تستطيع أن تكتفِي بنفسها.

رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير (يسار) والرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن (الأوروبية)

انتهى زمن المبعوث الدولي للسلام والتفاوض، وبدأ زمن الحاكم السامي على المنطقة، الذي تؤول إليه سلطات الأمر الواقع سياسيًا وأمنيًا وكذلك ثقافيًا. هذا التحول الذي يبدو فيه بلير مجرد بداية، سيجر وراءه خيطًا من المتغيرات تضع المنطقة أمام استحقاق في غاية الخطورة.

وقد عقَّب محرر الشؤون العالمية سام كيلي، في مقال نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية يوم 30 سبتمبر/أيلول الماضي، قائلا إن بنود هذه الخطة الماكرة ستُحوِّل قطاع غزة إلى "مُستعمرة" يحكمها  ترامب، ويتولى إدارتها توني بلير بوصفه "حاكما"، أما مجلس ترامب للسلام فليس إلا "خدعة استعمارية" تنتهي بفرض المزيد من الهيمنة الإسرائيلية على حياة الفلسطينيين وإرادتهم.

عبء الرجل الأبيض في غزة

في الأيام القليلة الماضية، أثيرت العديد من الشكوك والتساؤلات حول بنود خطة ترامب المُبهمة، ففي الوقت الذي كانت فيه شروط الالتزامات المفروضة على حركة حماس حازمة وواضحة، مثل تسليم جميع الأسرى أحياء وأمواتا في غضون 72 ساعة، ونزع سلاح حركات المقاومة وتدمير الأنفاق، نجد الخطة على الجانب الآخر تتسم بالغموض وغياب الشفافية فيما يخص التزامات الاحتلال الإسرائيلي.

إعلان

فلم يحدد المقترح إطارا زمنيا لانسحاب قوات جيش الاحتلال من غزة، كما تجاهل التطرُّق إلى مستقبل الدولة الفلسطينية، واكتفى بإشارة عابرة عن تنسيق حوار فلسطيني إسرائيلي حول مستقبل غزة، مما جعل البعض يشكك في أن الوصاية الدولية قد تستمر لأجلٍ غير معلوم.

يقول الدكتور محمد السنوسي، أستاذ الدراسات الاستشرافية والشؤون الدولية بجامعة محمد الخامس بالمغرب، إن التاريخ يكرر نفسه ويعيد تدوير حلقات لا تنتهي من المآسي الفلسطينية، بدأت بوعد بلفور عام 1917، مرورا بقرار التقسيم عام 1947، واتفاقية أوسلو عام 1993، وها نحن على أعتاب حلقة جديدة من الوصاية الدولية يتحوَّل معها "الوضع الانتقالي" بمرور الوقت إلى وضع دائم.

وهو ما يشير إليه تقرير سام كيلي، قائلا إن ترامب ومن قبله نتنياهو صرَّحا بأن قطاع غزة سيبقى تحت الوصاية الدولية "حتى" تتمكَّن السلطة الفلسطينية من إثبات جدارتها وفقا للمعايير الأميركية والإسرائيلية.

يعني ذلك أن الوصاية تبقى سارية حتى يتأكد "الأوصياء" من أن الفلسطينيين جاهزون لتسلّم السلطة، ومن ثمَّ يطرح المقترح هنا سؤالا غاية في الأهمية: من يقرر ما إذا كان الشعب الفلسطيني جاهزا لأن يحكم نفسه ويقرر مصيره؟ لقد تُرِكَت مسألة "تقييم" أداء السلطة الفلسطينية للوصي ذاته، أي الولايات المتحدة، وهي بدورها ليست طرفا محايدا في الصراع، بل هي حليف قديم لإسرائيل، وطرف في حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

أضف إلى ذلك أن الخطة التي جرى الترويج لها تحت غطاء إنساني على أنها خطوة أولى على طريق السلام، ستعمل على فصل غزة عن الضفة الغربية، مما يحول دون تأسيس الدولة الفلسطينية، ويُفرِّغ القضية الفلسطينية من مضمونها.

 

كان اقتراح فرض الوصاية على الشعب الفلسطيني بمثابة عودة بالزمن للوراء، إذ يُعيد إلى الأذهان منطق "عبء الرجل الأبيض"، الذي ساد طوال القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، وسعى لتبرير الاستعمار بعدم تحضُّر الشعوب بما يكفي كي تحكُم نفسها بنفسها، مُعتبِرا الوصاية الدولية فترة مؤقتة، يضطلع أثناءها الرجل الأبيض بتجهيز الأعراق الأخرى على مقاييس "الثقافة الغربية"، حتى تصبح مُهيَّأة وجديرة بمنحها حق تقرير المصير.

ويقول عن ذلك عادل بشتاوي في كتابه "تاريخ الظلم الأميركي" إن كِبلينغ "وضع بقصيدة واحدة عبئا بشريا جديدا على كاهل الإنسانية غير البيضاء، وهو عبء الرجل الأسمر أو الأصفر أو الأسود، وإذا كان الرجل الأبيض قد تحمَّل العبء حقا، فهو عبء نقل ثروات بشر الألوان الأخرى إلى بلاده، تاركا وراءه الجهل والفقر والمرض والجوع".

وفي ضوء نظرية "عبء الرجل الأبيض"، وباستعراض سريع لتصريحات نتنياهو وعدد من مسؤولي حكومته، تظهر بجلاء نزعة تفوُّق عرقي اتجاه الفلسطينيين، فقد عكفوا على تجريدهم من إنسانيتهم، ووصفوهم بالحيوانات البشرية، وربطوا أهل غزة بالعماليق، وهم شعب ورد ذكره في الروايات التوراتية وأُمر اليهود بإبادتهم عن بكرة أبيهم، حسب زعمهم.

تلك العلاقة الوثيقة بين العنصرية والاستعمار، كان قد تناولها عن كثب المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري، في المجلد السادس من موسوعته عن اليهود واليهودية والصهيونية، قائلا إن المشروع الصهيوني سَعَى لتبني الأفكار والنظريات الأساسية التي بَنَى عليها الغرب الإمبريالي مشروعه الاستعماري، ولذا لم يكن مُستغربا أن يتبنَّى أبناء المشروع الصهيوني مفهوم "عبء الرجل الأبيض".

فقد اعتبر عالم الاجتماع الصهيوني آرثر روبن لفظ "اليهودي" حكرا على اليهود البيض وحدهم، أي الأشكيناز، دون غيرهم من الأعراق، وذلك حتى يتمكَّنوا وفقا للمسيري من المشاركة في المزايا والحقوق التي احتفظ بها الرجل الأبيض لنفسه، بما في ذلك حمل عبئه الحضاري والاستعماري الثقيل.

إعلان

خطة ترامب ليست الأولى

لم تكن خطة ترامب المحاولة الأولى لإرساء السلام في الشرق الأوسط وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي عبر الوصاية الدولية، ففي أبريل/نيسان 2003، وبعدما أعلن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن عن "خريطة الطريق" من أجل حل الدولتين بحلول عام 2005، كتب السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل مارتين إندِك مقالا مُطوَّلا بمجلة فورين أفيرز في مايو/أيار طالب فيه بوضع فلسطين تحت الوصاية الأميركية بتفويض من الأمم المتحدة، إلى حين التوصُّل إلى حلٍّ نهائي بشأن مسألة حدود الدولة الفلسطينية، زاعما أن الوصاية الأجنبية هي السبيل الوحيد لوضع آليات عملية لتنفيذ خريطة الطريق على أرض الواقع.

تضمَّنت خطة إندِك فترة انتداب أميركي، تعمل أثناءها الولايات المتحدة على بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية، وسلطة قضائية مستقلة، وصياغة دستور جديد للبلاد، وفي نهاية المطاف تُشرِف على إجراء انتخابات حرة قبل تسليم السلطة للفلسطينيين.

كما نصَّت الخطة على تشكيل قوة عسكرية دولية قوامها 10 آلاف جندي، تشارك فيها دول من بينها بريطانيا وأستراليا وكندا، مُشيرا إلى أنها ستؤدي دورا أشبه بالذي أدّته الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2001. وقد حدَّد إندِك إطارا زمنيا لانتهاء الوصاية قدره ثلاث سنوات قابلة للتمديد وفقا لما تقتضيه الظروف والمعطيات.

لم تختلف رؤية إندِك كثيرا عن خطة ترامب المُعلَن عنها مؤخرا، فكلاهما يقضي بأن تتسلَّم سلطة أجنبية إدارة الأراضي الفلسطينية وتصبح الممثل الرسمي لها قانونيا وسياسيا، ومن ثمَّ تتماهى هذه الرؤى مع كل الأيديولوجيات الاستعمارية القديمة، النابعة من سلطة أبوية تفترض أنه ثمَّة التزام أخلاقي على الدول الغربية، لتنظيم شؤون الدول الأدنى منها مكانة والأقل تحضُّرا.

وهو المعنى الجوهري لمفهوم "عبء الرجل الأبيض"، الذي يتجاهل سيادة الشعوب على أراضيها وحقها في تقرير المصير.

كما يضع كلا المُخطَّطَيْن الشعب الفلسطيني أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الوصاية الدولية أو الاحتلال الإسرائيلي، وبهذه الطريقة لا تبدو تلك الخطط وسيلة لإحلال السلام بقدر ما هي أداة للضغط والابتزاز، تستخدم الاحتلال الإسرائيلي فزاعة لترهيب الفلسطينيين وإخضاعهم. وكل هذا يدفعنا للتساؤل عمَّا إذا كانت خطة ترامب للسلام مجرد لعبة تمنح إسرائيل مزيدا من الوقت لتغيير الوقائع على الأرض.

تجدر الإشارة أيضا إلى أن هناك نُسختيْن من الخطة، حيث أكَّد وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار أن الخطة التي أعلنها ترامب تختلف جملة وتفصيلا عن الوثيقة التي اطَّلعت عليها الدول العربية والإسلامية في اجتماعها معه الأسبوع الماضي. فقد أدخل نتنياهو تعديلاته على النص المعلن، وذلك في اجتماع استمر لسِت ساعات وجمع صهر الرئيس جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف المبعوث الأميركي في الشرق الأوسط، بحسب ما كشف عنه موقع أكسيوس الأميركي.

المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف (يمين)، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره، لحضور مؤتمر صحفي مشترك بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر/أيلول 2025 (الفرنسية)

ليس من المستغرب إذا أن يكون نتنياهو أول المؤيدين للخطة الأميركية، إذ إنها تُحقِّق له أهداف الحرب المُعلنة التي عجز عن تحقيقها على مدار عامين من التدخل العسكري، وذلك من دون تكبُّد الأثمان الباهظة للقتال.

في الوقت ذاته تمثل الخطة طوق نجاة لإسرائيل في وقت تعاني فيه من عزلة دولية خانقة نتيجة تصاعُد الغضب العالمي جراء حرب الإبادة الوحشية التي تشنها على قطاع غزة، واستخدامها التجويع سلاحا لكسر مقاومة الشعب الفلسطيني.

خطة توني بلير

إعلان

إعلان

إعلان