إعلان

سياسة

الطريق إلى مكة أم إلى تركستان قراءة في صناعة الازمات بالقضارف ٢

خبرالأربعاء، 28 يناير 20266 مشاهدة
الطريق إلى مكة أم إلى تركستان قراءة في صناعة الازمات بالقضارف ٢
الطريق إلى مكة… أم إلى تركستان؟ قراءة في صناعة الازمات بالقضارف (٢)

 

الطريق إلى مكة… أم إلى تركستان؟ قراءة في صناعة الازمات بالقضارف (٢)

صالح عمار

الأيام الفائتة تجددت الدعوة إلى “إقليم القضارف والبطانة”، وذلك دون مناسبة أو حيثيات واضحة تبرر توقيت هذه الدعوة، والبلاد في هذه الظروف الصعبة.
وما يجب التأكيد عليه بوضوح، أولًا وقبل كل شيء، أن خيار أن تكون القضارف محافظة أو إقليمًا – بل وحتى دولة – هو قرار أهلها الذين يتخذونه في أجواء من الحوار والاحترام، وجميعنا يجب أن ندعم ما يختارونه. وهذا ليس موضع خلاف، ولا يجب أن يكون موضوعًا للنقاش أصلًا.
وأدرك أن هناك مجموعات وأشخاصًا يؤيدون خيار الإقليم من موقع الاستقلالية وقناعاتهم الشخصية، وهم موضع احترام وتقدير دائمًا. وقد أدرت نقاشات متعددة من قبل، من زاوية قناعتي الشخصية بأن الأفضل للقضارف وكسلا والبحر الأحمر أن يكونوا في إقليم واحد.
لكن منبع النقاش الذي دار في الأيام الماضية حول الإقليم ليس وليد التدافع الطبيعي أو تسلسل منطقي للأحداث، بل كان دعوة أطلقت من غرفة مظلمة بهدف أن يتلقفها أصحاب الغرض والأنقياء في وقت واحد، أي أن تتحول إلى قضية رأي عام.
ووفق هذا التحليل، يلزم علينا – ومن واقع خبرة السودانيين الطويلة مع الأفاعي القاطنة في تلك الغرف المغلقة – أن نشير بوضوح إلى أن الغرض اليوم من شغل أهل القضارف بموضوع الإقليم هو صناعة النزاعات.
فمن أطلق الدعوة، وهو قريب من الأجهزة الأمنية ودوائر القرار، يعلم تمام العلم أنه لا يوجد حوار حول نظام الحكم أو إعادة تشكيل الأقاليم في ظل الحرب الدائرة.
والمطالبة بإقليم “القضارف والبطانة” في هذا الوقت خبث من خبائث ومؤامرات مجموعة علي كرتي التي لا تنتهي ضد مجتمع القضارف وكل الشرق، بعد أن بدأوا يرتعدون خوفًا من توجهه نحو السلام ومحاربة الكراهية، فقرروا إخراج ثعابينهم من صندوق الفتن التي كانوا يطلقونها ثلاثين عامًا، وأعادوا انتاجها خلال الفترة الانتقالية (٢٠١٩).
وقد هدفت مجموعة الأمن الشعبي التي أطلقت الدعوة إلى شغل المجتمع بقضايا تؤثر على وحدته. فالدعوة إلى إنشاء الإقليم أمر خلافي وجدلي، لا يقتصر على السياسة، بل يمتد غالبًا إلى خلافات بين مكونات المجتمع.
والتوقيت مقصود؛ لأن إنسان الولاية – بعد أن ابتعدت عنه الحرب قليلا – بدأ يبحث عن الخدمات الغائبة، ويطارد الفساد الذي يزكم الأنوف، ويتصدى للانتهاكات.
والتوقيت مقصود كذلك لإشعال خلاف مع مكونات البحر الأحمر وكسلا التي قطعت شوطًا في تجاوز المشكلات، ولم يعد التنقل بين صالونات قادتها لفتنتهم ذا عائد يُذكر.
ولمّا أُغلقت منافذ كسلا وبورتسودان ولم تعد جولات الفتنة ذات جدوى، قررت جماعة الأمن الشعبي من أبناء القضارف العودة إلى الولاية وإدارة المعركة منها؛ وهي معركة تفكيك التماسك الاجتماعي لمكونات الولاية، ومن ثمّ إدخالها في مواجهة مع مكونات الشرق الأخرى.
والغرف الإعلامية للأمن الشعبي ذات قدرات وتجارب كبيرة في إشعال الفتن، وهي من ستكمل المخطط، وتحتاج فقط إلى بيان واحد لتبدأ المهمة: تتجادل القبائل وتشتم بعضها عبر حسابات وهمية تديرها تلك الغرف.
كنا قد سردنا في الجزء الأول من هذا المقال الظلم الذي وقع على الرعاة أولًا، وامتد بعد ذلك إلى العمال الزراعيين والمزارعين، وهم يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان الولاية. وكان المنطق يقول إن هذه الشرائح ستضع يدها فوق بعضها من أجل تحسين شروط الإنتاج والعمل، وخلق نظام حكومي راشد يحارب الطفيلية التي نهبت الموارد وأموال البنوك وكل شيء.
لكن ما وقف عائقًا أمام ذلك هو القدرات العالية التي تمتعت بها أجهزة الإنقاذ الأمنية وعملاؤها، وكان سلاحها الأساسي تحريض الأهالي ضد بعضهم، وتخويفهم من بعضهم بالعزف على التنوع الاجتماعي، لتنفرد بهم جميعًا بعد ذلك.
كانت أفاعي الإنقاذ تقضي نهارها بين الرعاة الذين يعانون من الفقر، وتغازلهم بالعروبة والتاريخ والرمزية في السلطة. وفي المساء، تتجول بين مجتمعات الزراعة والرعي الأخرى وتغازلها بالإسلام.
لكن الحقائق على الأرض كانت تقول إن مجتمعات الرعاة لم يكن لها ممثلون في مستويات السلطة المؤثرة (المركزية والولائية المهمة والأجهزة العسكرية)، ولم تُنفذ على أراضيها مشاريع تنموية كبرى تغيّر البنية الاقتصادية والحياة، أو تنشر بينهم التعليم العالي الذي يؤهلهم للمنافسة.
والناظر اليوم إلى كل مناطق الرعاة في أرياف ومدن القضارف سيرى أنها أبعد ما تكون عن مستوى ماكانت عليه مناطق في وسط السودان والخرطوم، بل وحتى بعض مدن الشرق. أما السلطة في مستوياتها المهمة فهي في قبضة أشخاص من خارج الولاية.
يستحق أهل القضارف والبطانة أن يكونوا شركاء حقيقيين في المؤسسات العسكرية التي تحتكر الاقتصاد وتسيطر على كل شيء، لا أن يكون أبناؤهم وقودًا للمليشيات يضحون بحياتهم بينما لا يعترف البرهان وقادته بهذه المليشيات. ومن حق أهل القضارف إجراء مراجعة شاملة لملكية الأراضي التي كانت الإنقاذ توزعها على منسوبيها – ولا تزال – ومعظمهم من الخارج، ومراجعة قروض البنوك التي مُنحت بغير وجه حق، ومنصرفات الزكاة والضرائب وغيرها، وطرح مشاريع إسعافية عاجلة وأخرى للتنمية المستدامة.
إن ما يمكن أن أختم به هذه الكتابة عن القضارف هو أن الآفاق لتحقيق الاستقرار والتنمية في هذه الظروف أقرب إلى المستحيل، وأن استمرار الحرب سيزيد حالة الاستقطاب والتشظي الاجتماعي، ويسرّع من عمليات نهب الموارد، وفي مقدمتها الأراضي. ولهذا يجب أن ندعو الله ونعمل بكل جد لوقف الحرب.
وحجر الزاوية في العبور بسلام في الحاضر والمستقبل هو السلام الاجتماعي، ولهذا يجب التصدي بحزم لشبكات الفتن – من أي موقع انطلقت – ومحاصرة كل الدعوات التي تتسبب في تصدع علاقة المجتمعات ببعضها، وهي رأس مال لا يقدّر بثمن.
لقد نجت القضارف من نزاعات الفترة الانتقالية التي ضربت شقيقاتها، بحكمة قادتها وتضحيات شبابها المستنيرين. وأنا على ثقة بأن حكمة كبار القضارف وأنقيائها ستتجاوز بهم هذه اللحظات الحرجة من تاريخ السودان والقضارف، بالاحترام والحوار واستحضار كل التاريخ الناصع الذي عاشته الأجيال السابقة.

altaghyeer.info

إعلان

إعلان

إعلان