إعلان

سياسة

الخوف عائق أمام السلام: قراءة سيوسولوجية 1

خبرالأحد، 29 مارس 20260 مشاهدة
الخوف عائق أمام السلام: قراءة سيوسولوجية 1
الخوف عائق أمام السلام: قراءة سيوسولوجية (1)

 

الخوف عائق أمام السلام: قراءة سيوسولوجية (1)

د. عبدالناصر علي الفكي

ما الذي يخيف أطراف الحرب ويمنعهم من الاتجاه نحو طريق تحقيق السلام؟

سؤال مشروع يتردد باستمرار وسط السودانيين، وأيضاً المساندين إنسانياً للعملية على المستوى العالمي: ممَّ نخاف وممَّ يخافون؟

الخوف سلوك وراثي ومكتسب لدى الكائنات الحية. وهو غريزي تلقائي أمام المهددات والمخاطر الطبيعية والبشرية، وعقلاني لدى الإنسان في المجتمع. يُعتبر الخوف محفزاً للأمن والأمان، وقوة دافعة لتجاوز أي عقبات أمام العمليات الاجتماعية، كالتعايش والاندماج الاجتماعي، والعيش المشترك القائم على تبادل المصالح. وتُنظَّم هذه العمليات عبر أدوات المنافسة الملتزمة بالقانون، كما في الاختيار في الانتخابات وفق إرادة المجتمع وقواعد الجماعات التنافسية، بما يفترض أن يحقق العدالة وقيم التراضي والقبول، لا الصراع واستخدام الأدوات والقوة المادية لقهر الجماعة والجماعات المختلفة.

وإذ يغذي ذلك دوامة العنف في الحرب بأشكالها المتعددة، يعمل كل طرف على استهداف الآخر (الجماعة) واستغلال منظم لمنهجية الخوف الغريزي، بصناعة الكراهية عبر الازدراء والعنصرية الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وتلك المسوغات الواعية تصنع الخوف المرضي الذي يشل العقل ويُضعف قدراته في الإدراك والوجدان والذكاء الاجتماعي، فتحدث الانتهاكات الإنسانية عبر العنف والدمار والقتل… إلخ.

يصب الخوف حينها في خانة مناوئة للسلام، الذي يصبح خياراً ضعيفاً.

الخوف كأداة للسلام:

أما سلوك فعل الخوف كأداة للسلام، فيتطلب استخدام التفكير العقلاني سليم الفطرة حول جدوى الحرب ومرامي أهدافها، وعلاقة الخوف بالسلام والحرب.

من الضروري إدراك أن تقديم تنازلات من القادة العسكريين نحو السلام لا يعني الهزيمة، بل هو انتصار للوطن بالحفاظ على سلامته وأمنه وقدراته البشرية والمادية.

ويمكن بناء حصون عبر الدولة والمجتمع بالسلام المستدام والعادل، بولاء وانتماء وطني، بحيث لا يكون السلام مجرد غياب للحرب، بل غياب كل مؤثرات الخوف التي تصنع الحرب.

يبدأ الاجتهاد الوطني نحو الخوف المحفز بتوصيف الحرب بأنها أهلية تدور بين أجهزة جماعات سودانية، ويتدخل فيها عامل الوكالة الإقليمي والدولي بالدعم والمساندة للأطراف. كما تظهر فيها ملامح ومؤشرات حرب المليشيات والعصابات في السلوك والممارسة تجاه الممتلكات والمواطنين. ويتداخل فيها بدرجات متفاوتة أيضاً الدوافع العقائدية والدينية والإثنية والاقتصادية.

تستغل كل تلك العوامل والدوافع الأدوات الإعلامية والوسائط للتأثير والحشد والاستنفار والتضليل للرأي العام السوداني، بأدوات إقليمية ودولية ومحلية. ولا ننسى أيضاً الاستفادة الاقتصادية القوية من هشاشة وظائف الدولة وفشلها من قبل قراصنة وأمراء الحرب.

لذلك، الاجتهاد الوطني المشترك للفاعلين في المجال العام ضروري نحو تحويل ما يمكن أن نطلق عليه “الخوف المحفز المشترك العقلاني” نحو إيقاف الحرب وإنهائها، بإعلاء إرادة الحل الوطني، وتحويل خوف الحرب إلى خوف بناء السلام والاستقرار، ومحاصرة كل عوامل تغذية أطراف الحرب عبر سرديات الخوف التلقائي الحيواني المتبادل.

هناك العديد من المدارس النظرية الفلسفية في الاجتماع والسياسة وإدارة الأزمات تُفسِّر أن الصراع واستمرار الحروب، عندما يصل إلى ذروته وقمة أزمته، يبدأ في الهبوط التدريجي.

كما ترى نظريات أخرى أن توازن القوى بين أطراف الحرب يمنع الحرب بل ويوقفها في بدايتها، كما حدث في “خوف الحرب” بين الهند وباكستان، وكذلك امتلاك الأسلحة النووية لدى الصين وكوريا الشمالية وروسيا وأمريكا.

السودان بحاجة إلى تجاوز الخوف التلقائي العاطفي ذي النزعة المدمرة، إلى الخوف المشترك العقلاني الذي يجفف منابع الحرب التاريخية، بما يمكن تسميته “جذور السلام”. وذلك ببناء الثقة والاستقرار على أساس المشاركة والتفاعل بين الجماعات، وبالاعتماد على التعاون والثقة، لا على الصراع والقوة.

وإقامة عمليات العدالة الانتقالية على مضامين تتأسس وفق السياق الوطني الثقافي-الاجتماعي للسودان.

 

نواصل…

د. عبدالناصر علي الفكي

altaghyeer.info

إعلان

إعلان

إعلان