إعلان

سياسة

سنن النهوض 7.. الهوية الجامعة: كيف تدار التعددية دون أن تتحول إلى انقسام

خبرالاثنين، 30 مارس 20260 مشاهدة
سنن النهوض 7.. الهوية الجامعة: كيف تدار التعددية دون أن تتحول إلى انقسام
سنن النهوض «7».. الهوية الجامعة: كيف تُدار التعددية دون أن تتحول إلى انقسام؟

سنن النهوض «7»

الهوية الجامعة: كيف تُدار التعددية دون أن تتحول إلى انقسام؟

ميرغني الحبر/ المحامي

بعد أن تبني المجتمعات وعيها بذاتها، وتحيي ضميرها الأخلاقي، وتصلح موقع النخبة، وتؤسس مؤسسات مستقرة، وتستثمر في الإنسان، وتبني اقتصاداً منتجاً، تبرز سنة أخرى من سنن النهوض لا تقل أهمية: بناء هوية جامعة.

فالإنسان لا يعيش بالاقتصاد وحده، ولا بالقانون وحده، بل يحتاج إلى إطار معنوي يشعره بالانتماء، ويمنحه معنىً مشتركاً لحياته داخل المجتمع. وهذا الإطار هو ما نُسميه: الهوية.

غير أن الهوية في المجتمعات المعاصرة ليست بسيطة أو أحادية؛ فهي غالباً ما تكون مركبة من عناصر متعددة: دينية، وثقافية، ولغوية، وإثنية.

*وهنا يبرز التحدي:

كيف يمكن تحويل هذا التنوع إلى مصدر غنى، لا إلى سبب صراع؟*

نحاول الاجابه بما يلي:-

أولاً: التعددية… بين الثراء والانقسام:

التاريخ يقدم لنا صورتين متقابلتين؛

مجتمعات استطاعت أن تجعل من تنوعها مصدر قوة،

وأخرى تحوّل فيها التنوع إلى خطوط صراع حادة،

والفارق بين الحالتين لا يكمن في وجود التعددية، بل في طريقة إدارتها.

فالتعددية في ذاتها ليست خطراً،

لكنها تصبح كذلك حين تغيب القواعد التي تنظم العلاقة بين مكوناتها.

ثانياً: الهوية الجامعة كإطار ناظم:

الهوية الجامعة لا تعني إلغاء الخصوصيات،

ولا صهر الجميع في قالب واحد،

بل تعني وجود مرجعية مشتركة يشعر الجميع بالانتماء إليها، رغم اختلافاتهم.

وقد عبّر الفكر السياسي الحديث عن هذا المعنى بمفهوم «الهوية الوطنية» أو «المواطنة»، حيث يكون الانتماء للدولة إطاراً جامعاً يعلو على الانتماءات الفرعية دون أن يلغيها.

وفي هذا السياق، قدّمت ماليزيا مثالاً مهماً في إدارة مجتمع متعدد الأعراق والأديان، من خلال بناء صيغة توازن بين الاعتراف بالتنوع والحفاظ على استقرار الدولة.

كما تُعد كندا من النماذج التي تبنّت سياسات «التعددية الثقافية» بشكل رسمي، حيث تم الاعتراف بالاختلافات الثقافية مع الحفاظ على إطار قانوني ومؤسسي جامع.

ثالثاً: الشروط العلمية لإدارة التنوع:

تشير دراسات علم الاجتماع السياسي إلى أن إدارة التعددية بنجاح تتطلب جملة من الشروط، من أهمها:

  1. العدالة بين المكونات؛

فالإحساس بالتمييز هو الوقود الأول للصراع. وكلما شعر الأفراد أو الجماعات بأنهم متساوون في الحقوق والفرص، تراجع الميل إلى التوتر.

  1. وجود مؤسسات محايدة؛

وهو ما أكده علماء مثل دوغلاس نورث، حيث تلعب المؤسسات دوراً حاسماً في ضبط التفاعلات داخل المجتمع، ومنع تحول الاختلاف إلى نزاع.

  1. سردية وطنية مشتركة؛

أي قصة جامعة يراها الجميع معبرة عنهم، تُبنى عبر التعليم والإعلام والخطاب العام.

  1. إدارة الخلاف لا إنكاره؛

فالمجتمعات لا تخلو من الاختلاف، لكن النضج يكمن في تحويله إلى حوار منظم، لا إلى صراع مفتوح.

رابعاً: حين تفشل إدارة الهوية:

في المقابل، تكشف تجارب عديدة أن غياب هذه الشروط يؤدي إلى نتائج خطيرة.

فحين تتحول الهويات الفرعية إلى أدوات تعبئة سياسية، وتُستخدم لإقصاء الآخرين، يبدأ المجتمع في الانقسام إلى معسكرات متقابلة.

وقد شهدت بعض الدول — في تجارب معاصرة — كيف يمكن أن يتحول التنوع إلى صراع حين يغيب العدل، وتضعف المؤسسات، وتُستغل الهويات في المنافسة على السلطة.

وهنا لا يكون الخطر في التنوع ذاته، بل في تسييسه دون ضوابط.

خامساً: الهوية كقوة نهوض:

في لحظات النهوض، تتحول الهوية من عامل انقسام إلى طاقة توحيد.

فهي تمنح المجتمع:

  • شعوراً بالانتماء
  • إطاراً للقيم المشتركة
  • دافعاً للعمل من أجل الصالح العام

وحين تنجح المجتمعات في بناء هذه الهوية الجامعة، فإنها تختصر كثيراً من الصراعات، وتوجّه طاقتها نحو البناء بدل الاستنزاف.

 وهكذا تتجلى سنة سابعة من سنن النهوض:

أن تُبنى هوية جامعة تُدير التنوع ولا تنفيه، وتوحّد المجتمع دون أن تلغي خصوصياته.

فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تخلو من الاختلاف،

بل تلك التي تعرف كيف تُحسن إدارته.

وفي المقال الختامي من سلسلة «سنن النهوض» نصل إلى السؤال الأخير:

متى نعلم أننا بدأنا نصعد فعلاً؟ وما هي المؤشرات الحقيقية للنهوض؟

سنن النهوض «6».. الاقتصاد المنتج: حين تتحول الثروة إلى قوة مجتمعية

altaghyeer.info

إعلان

إعلان

إعلان