بورتسودان، 6 مارس 2026 – تحولت مدن مثل القضارف وعطبرة وبورتسودان إلى ملاذ للفارين من الحرب ليتضاعف عدد سكانها وتتغير تفاصيل الحياة اليومية فيها بما في ذلك طقوس رمضان حيث امتزجت عادات السكان المحليين بعادات النازحين.
في حي الثورة مربع 11 في بورتسودان، حيث تمتد الخيام إلى جانب المساكن القائمة، يُسمع صوت الأطفال وهم يلعبون بينما تقوم نساء الأسر النازحة بتحضير وجبات الإفطار.
وقالت أم جدو وهي نازحة من الخرطوم بحري لسودان تربيون إن أسرتها تحاول التكيف مع الظروف الجديدة، مضيفة أن “رمضان مختلف هذا العام، الطعام محدود، لكن نجتمع كأسرة ونشعر بروح الشهر الكريم رغم كل شئ”.
وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن ملايين الأشخاص نزحوا من مناطق النزاع، ما يجعل السودان أحد أكبر بلدان النزوح الداخلي في العالم، حيث لا يجد الكثيرون مأوى دائما ويعيشون في مدن مستضيفة أو مخيمات مؤقتة في شمال وشرق البلاد.
في الأسواق المحلية بالمدن التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين، يقول عدد من التجار إن حركة البيع خلال رمضان هذا العام تأثرت بتغير التركيبة السكانية.
وقال علي حسن التوم، لسودان تربيون وهو تاجر مواد غذائية في سوق القضارف، إن الطلب على السلع الأساسية مثل الدقيق والسكر والزيت ارتفع خلال الأشهر الماضية مع زيادة عدد السكان.
وأضاف: “الكثير من الأسر النازحة أصبحت تشتري كميات صغيرة لتستطيع تغطية الشهر.. الأسعار مرتفعة والتحدي كبير”.
بينما تقول فاطمة محمد وهي نازحة من ولاية الجزيرة، نزحت إلى مدينة بورتسودان، ولم تعد إلى منطقتها رغم استعادة الجيش السيطرة على ولاية الجزيرة، إن أسرتها تحاول التكيف مع الواقع الجديد.
لكن فاطمة تؤكد لسودان تربيون أن الأسرة تواجه صعوبة في الحفاظ على بعض العادات الرمضانية التقليدية التي اعتادت عليها في الجزيرة.
وتؤكد مكاتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن هذه التغيرات في التركيبة السكانية تزيد من الضغط على الأسواق والخدمات الأساسية، ما يجعل الدعم الإنساني أكثر أهمية.
في المساء، قبل آذان المغرب، تنتشر موائد الإفطار في بعض أحياء بورتسودان والقضارف وعطبرة حيث يتجمع الجيران والمتطوعون لتقديم وجبات مجانية للأسر الأكثر احتياجاً.
ويقول محمد إبراهيم وهو متطوع في إحدى المبادرات بمدينة عطبرة لسودان تربيون إن سكان الأحياء يجمعون تبرعات محلية لتوفير وجبات يومية، مضيفا: “هذه الموائد أصبحت رمزا للتضامن بين السكان المحليين والنازحين، ونشعر أن رمضان فرصة لإظهار المساندة”.
وتشير منظمة برنامج الغذاء العالمي إلى أن مثل هذه المبادرات المحلية تلعب دوراً حيوياً في سد جزء من الفجوة الغذائية، إذ يعتمد ملايين الأشخاص على الدعم الإنساني لتأمين وجبات الإفطار.
تحاول الأسر النازحة الحفاظ على طقوس رمضان، رغم قلة الموارد.
ويروي يوسف الطيب شاب نازح من ولاية الجزيرة، كيف أصبحت التجمعات الرمضانية فرصة لتخفيف ضغط الحياة اليومية: “نلعب مع الأطفال، نتبادل الطعام مع الجيران، ونشعر أننا لسنا وحدنا في هذه الظروف”.
وتوضح مكاتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن تعزيز الروابط الاجتماعية والمبادرات المحلية خلال رمضان يساعد النازحين على التكيف النفسي والاجتماعي مع ظروف النزوح.
بيد أنه مع تزايد أعداد النازحين، تواجه المدن المستضيفة ضغطاً هائلاً على خدماتها، خصوصاً المياه والمرافق الصحية والأسواق.
ويقول عبد الله حسن، أحد سكان مدينة عطبرة، إن الأحياء شهدت زيادة كبيرة في عدد السكان خلال العام الماضي، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على السلع والخدمات الأساسية.
وحذر صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة من أن الأطفال النازحين هم الأكثر تأثراً بهذه الظروف، مؤكدة الحاجة لتوفير الغذاء والدواء والمياه النظيفة لهم، خصوصاً مع تفاقم الوضع الاقتصادي.
ارتفاع الأسعار جعل من الإفطار تحدياً يومياً للأسر النازحة، حيث تتنافس مع السكان المحليين على شراء السلع الأساسية.
وحسب برنامج الغذاء العالمي فإن الدعم المستمر عبر المبادرات المحلية والمساعدات الإنسانية ضروري لضمان استمرار الأسر في الاحتفال بشهر رمضان، مع الحفاظ على الكرامة الإنسانية.
ورغم كل الصعوبات، يحاول النازحون الحفاظ على مظاهر رمضان التقليدية، من الصلاة الجماعية إلى إعداد وجبات الإفطار، وأحيانا تقديم بعض الطعام للفقراء والمحتاجين.
ويقول يوسف الطيب: “نجتمع حول المائدة كل مساء، نشعر أننا نعيش رمضان بطريقة أقرب للقلب، حتى في أصعب الظروف”.
sudantribune.net