
صباح السبت، الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، يفتح رجل في طهران تطبيق الملاحة على هاتفه. يضعه التطبيق في مدينة تبعد 900 كيلومتر إلى الجنوب من موقعه الحقيقي. يغلق الرجل التطبيق، ثم يعيد المحاولة، ويتلقى النتيجة ذاتها. يحاول الاتصال بأحد أصدقائه، فيفاجأ بأنه لا توجد شبكة ولا إنترنت ولا رسائل.
لم يعرف الرجل حينها أن ضربة صاروخية أمريكية أو إسرائيلية نفذت قبل دقائق على بعد مسافة ليست ببعيدة من موقعه، وأن مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية للبنات، في مدينة ميناب جنوبي إيران، دمرت بقصف راح ضحيته 165 شخصًا، معظمهم من الفتيات الصغيرات. لم يعرف الرجل لأنه لا توجد طريقة لأي شخص أن يخبره.
ليس هذا مشهدًا من رواية خيال علمي، بل محاولة لتخيُّل ما عاشه ملايين الإيرانيين صباح السبت الماضي، حين انخفض الاتصال بالإنترنت في إيران إلى 4% فقط من مستواه الطبيعي وفقًا لمنظمة نت بلوكس (NetBlocks) المتخصصة في رصد انقطاعات الإنترنت، قبل أن يصل إلى الصفر فعليًا بداية من الساعة 7:30 صباحًا بتوقيت غرينتش (11 صباحا في طهران)، بحسب بيانات كلاود فلير (Cloudflare). كما أفادت نت بلوكس في اليوم التالي أن الإنترنت أكمل 24 ساعة بنسبة 1% من مستواه الطبيعي أي في حالة انقطاع شبه تام.
في اللحظة ذاتها، على الضفة الأخرى من الخليج، تعرضت أكثر من 1100 سفينة لتشويش في أنظمة تحديد المواقع "جي بي إس" (GPS) وأنظمة التعريف الآلي "إيه آي إس" (AIS) خلال 24 ساعة في مياه الإمارات وقطر وعمان وإيران، وفقًا لبيانات شركة ويندوارد المتخصصة في الاستخبارات البحرية. ورصدت الشركة ما لا يقل عن 21 بؤرة تشويش جديدة على نظام التعرف الآلي، لتظهر السفن بالخطأ على شاشات الرصد وكأنها متوقفة في مطارات، أو بجوار محطة براكة للطاقة النووية بالإمارات، أو على أراض إيرانية.
"يمكن اعتبار ما جرى ذلك اليوم واحدة من أكبر عمليات الحرب الإلكترونية. وهي عملية لم تميز بين رادار عسكري وهاتف أم تبحث عن أطفالها، ولم تفرق بين منظومة دفاع جوي وتطبيق ملاحة يرشد سائق سيارة أجرة إلى وجهته".
مثلا، تعرضت ناقلة نفط خام ضخمة، كانت تنتظر تحميل حمولتها في ميناء قطر، لتشويش أظهرها في ست مناطق مختلفة خلال 24 ساعة. وأعلنت البحرية الأمريكية منطقة تحذير بحري تمتد عبر الخليج ومضيق هرمز وبحر العرب، وأبلغت السفن التجارية أنها لا تستطيع ضمان سلامتها، وأن التشويش وانتحال إشارات الأقمار الاصطناعية محتمل، كما أفادت مجلة لويدز ليست البحرية.
إعلانبالطبع، لم يكن كل ما سبق مجرد أعطال تقنية في الإنترنت والاتصالات وخدمات تحديد المواقع، بل كانت مؤشرًا يسبق بداية الهجمات العسكرية. وحين نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتهما ضد إيران فجر السبت، لم تبدأ الحرب بالصواريخ والقنابل فحسب، بل بدأت في الطيف الكهرومغناطيسي، تلك البنية التحتية غير المرئية التي تسري فيها كل إشارة يعتمد عليها العالم الحديث: نظام تحديد المواقع، والإنترنت، وشبكات الهاتف، والرادارات، وإشارات الملاحة الجوية والبحرية.
يمكن اعتبار ما جرى ذلك اليوم واحدة من أكبر عمليات الحرب الإلكترونية. وهي عملية لم تميز بين رادار عسكري وهاتف أم تبحث عن أطفالها، ولم تفرق بين منظومة دفاع جوي وتطبيق ملاحة يرشد سائق سيارة أجرة إلى وجهته، ولم تفصل بين اتصالات الحرس الثوري وخط طوارئ في مستشفى. الطيف الكهرومغناطيسي لا جدران حوله، وحين يتحول إلى ساحة معركة، يصبح كل مدني يعتمد على إشارة رقمية هدفًا عرضيًا محتملًا. فما قصة تلك الحرب الإلكترونية؟ ومن يدفع ثمنها؟
قبل أن يسمع أحد في طهران أصوات الانفجارات، كانت الحرب قد بدأت بالفعل في مكان لا يراه أحد. بدأ الانقطاع الرقمي بعد فترة وجيزة من إعلان عدة مواقع إخبارية إيرانية، بينها وكالة الأنباء الرسمية "إرنا" تعرضها لهجمات سيبرانية متطورة. كانت هذه الموجة الأولى: هجوم سيبراني خارجي استهدف البنية المعلوماتية للدولة، بدأت بإسقاط المواقع الإخبارية، إرنا وإسنا وتسنيم وفارس و"برس تي في" ومركز البث التابع لهيئة الإذاعة والتلفزيون دفعة واحدة.
وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية، نقلاً عن منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي قبل الانقطاع الكامل، بأن تطبيق صلاة واسع الانتشار تعرض للاختراق وعرضت فيه رسائل تقول "لقد وصلت المساعدة"، في إشارة إلى تصريح سابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجه للإيرانيين. وقد تمكنت امرأة في غرب طهران من التحدث عبر الهاتف مع إذاعة "إن بي أر" (NPR) قبل انقطاع الاتصالات بلحظات، وقالت إن أهدافًا عديدة ضربت من حولها، وإن الناس كانوا في حالة ذعر يحاولون الوصول إلى منازلهم، فيما كان الأطفال يخرجون هربًا من المدارس، وأكدت أنها لم تتلق أي تحذير من الحكومة الإيرانية. بمعنى آخر، قبل أن تسقط القنابل، سقط كل مصدر للمعلومات يمكن أن يخبر الإيرانيين بما يحدث.
ثم جاءت الموجة الثانية، وكان مصدرها هذه المرة إجراء داخلي حيث أغلقت الحكومة شبكة الإنترنت في البلاد، وهي إجراء متكرر في أوقات الأزمات والحروب. منذ 28 يناير/كانون الثاني الماضي، كانت البلاد تفرض بالفعل قيودًا مشددة على الإنترنت في أعقاب انقطاع سابق وصفه بروس شناير، خبير الأمن السيبراني من جامعة هارفارد، بأنه الأشد في تاريخ إيران. لم يقتصر ذلك الانقطاع على حجب وسائل التواصل الاجتماعي أو المواقع الأجنبية كالمعتاد، بل طال الشبكة الوطنية الداخلية "الإنترانت" (Intranet) نفسها: شبكات الهاتف المحمول، والرسائل النصية، والخطوط الأرضية، وحتى خدمة ستارلينك.
في صباح 28 فبراير/شباط، أكملت السلطات في إيران بنفسها ما بدأه الهجوم السيبراني الخارجي، وكما أكدت منظمة نت بلوكس، انخفض الاتصال الوطني إلى 4% من مستواه الطبيعي، وهو ما يتطابق مع الإجراءات التي استخدمتها الحكومة الإيرانية أثناء حرب يونيو/حزيران 2025، كما أشارت المنظمة. وأظهرت بيانات الانهيار المتزامن عبر مختلف المناطق أنه تدخل مركزي منسق وليس عطلاً تقنيًا.
" لقد كانت الصواريخ تسقط ولا يعرف المواطنون أين سقطت، ولا يستطيعون الاتصال بعائلاتهم لمعرفة ما إذا كانوا على قيد الحياة".
تسبب ذلك في تعطيل بيئة المعلومات بأكملها. فوسائل الإعلام الحكومية، التي يعتمد عليها الإيرانيون كمصدر رسمي للأخبار، أصبحت إما معطلة وإما مخترقة. من يفتح موقع "تسنيم" مثلا في مرحلة ما من الوقت وجد رسائل مناهضة للمرشد الأعلى، وأما من يحاول فتح موقع "إرنا" فإنه وجد صفحة فارغة. ومن يفتح تطبيق الصلاة على هاتفه يجد رسالة كتبها شخص في بلد آخر يخوض حربًا مختلفة. لا شيء يمكن الوثوق به، ولا شيء يمكن التحقق منه.
إعلانلكن ما يجعل هذا الانقطاع مختلفًا عن كل سابقيه ليس حجمه فحسب، بل سياقه أيضًا. لم يكن هذا قمعًا لاحتجاجات أو تعتيمًا أثناء انتخابات، بل كان يحدث بالتزامن مع عملية عسكرية منسقة واسعة النطاق ضربت أهدافًا في 24 محافظة إيرانية. لقد كانت الصواريخ تسقط ولا يعرف المواطنون أين سقطت، ولا يستطيعون الاتصال بعائلاتهم لمعرفة ما إذا كانوا على قيد الحياة. ولكن لنفهم كيف وصلنا إلى هذه اللحظة، علينا أولاً أن نفهم السلاح الذي استخدم فيها.

البداية هنا أن نعرف ما هو "الطيف الكهرومغناطيسي" حقا، ويعني ببساطة نطاق الموجات الكهرومغناطيسية التي تعتمد عليها اتصالات العالم الحديث؛ من موجات الراديو وإشارات الأقمار الاصطناعية لتحديد المواقع، إلى شبكات الهاتف المحمول والواي فاي والرادار والبث التلفزيوني واتصالات الطوارئ، إذ تتشارك كلها الفضاء ذاته، كما تتشارك السيارات والمشاة والدراجات طريقًا واحدًا.
تعرف "الحرب الإلكترونية" (Electronic Warfare) على أنها فن مهاجمة هذه البنية التحتية غير المرئية، أو الدفاع عنها، وهي ليست سلاحًا جديدًا بالطبع. فقد استخدم التشويش على الرادار في الحرب العالمية الثانية، والتشويش على الراديو في الحرب الباردة، والتشويش على نظام تحديد المواقع في حرب الخليج عام 1991. ولكن ما تغير جذريًا هو حجم الاعتماد المدني على هذا الطيف. ففي عام 1991، كان نظام "جي بي إس" تقنية عسكرية بحتة، بينما اليوم، يعتمد عليه كل هاتف ذكي، وكل تطبيق للتوصيل، وكل سيارة إسعاف، وكل طائرة مدنية، وكل سفينة تجارية.
ولنفهم ما جرى يوم 28 فبراير/شباط، نحتاج إلى التمييز بين ثلاثة أشكال من الهجوم على تلك الموجات. أولها هجمات التشويش (Jamming)؛ تخيل أنك في غرفة مزدحمة تحاول سماع شخص يتحدث إليك. التشويش هو أن يأتي شخص ثالث ويصرخ بأعلى صوته لإغراق كل ما تسمعه وسط ركام من الملوثات السمعية. من الناحية التقنية، يعني ذلك إغراق تردد معين بضوضاء إلكترونية حتى لا تتمكن الإشارة الحقيقية من الوصول. حين يشوش على رادار دفاع جوي، يرى مشغلوه شاشة مليئة بالضوضاء بدلاً من الطائرات التي تقترب. وحين يشوش على إشارة "جي بي إس"، يفقد هاتفك القدرة على تحديد موقعك تمامًا.
"على عكس القنبلة التي يمكن توجيهها إلى مبنى بعينه، أو الرصاصة التي تصيب هدفًا واحدًا، لا يمكن توجيه التشويش الإلكتروني إلى جهاز واحد دون غيره".
ثانيًا الانتحال أو التزييف (Spoofing)، وهذا أخطر وأكثر تعقيدًا، فبدلاً من إغراق الإشارة بالضوضاء، يرسل المهاجم إشارة مزيفة تحاكي الإشارة الحقيقية، فيثق بها جهاز الاستقبال. ومن ثم تظن أنك في مكان ما، لكنك لست هناك. هذا بالضبط ما حدث لأكثر من 1100 سفينة في الخليج يوم 28 فبراير/شباط، حين ظهرت على شاشات الملاحة وكأنها في مطارات، أو بجوار محطة نووية، أو على أرض إيرانية، بدلاً من المواقع الحقيقية. الخطورة هنا أن القبطان قد لا يدرك أن موقعه خاطئ حتى يرى اليابسة أمام عينيه.
ثالثًا وأخيرًا يأتي الهجوم السيبراني، وهو مهاجمة الشبكات الرقمية التي تعمل فوق هذا الطيف الكهرومغناطيسي، مثل المواقع الإلكترونية والتطبيقات وأنظمة الاتصالات والبنية التحتية للإنترنت. والاختراق، وهجمات حجب الخدمة، والتلاعب بالبيانات، هو ما أسقط وكالة إرنا ووكالة إسنا وموقع تسنيم وغيرها من المواقع ومصادر المعلومات الإيرانية.
على عكس القنبلة التي يمكن توجيهها إلى مبنى بعينه، أو الرصاصة التي تصيب هدفًا واحدًا، لا يمكن توجيه التشويش الإلكتروني إلى جهاز واحد دون غيره. فحين تشوش على رادار قاعدة عسكرية، فإنك تشوش في الوقت ذاته على كل هاتف مدني في المنطقة المحيطة. وحين تقطع الإنترنت لتعمية العمليات العسكرية، فإنك تعمي معه كل طبيب، أو كل أم تبحث عن أطفالها، أو كل صحفي يحاول توثيق ما يحدث. هذا الطيف مساحة مشتركة، والحرب فيه لا تميز ولا تفرق. ولذا في العمليات العسكرية التقليدية، تستخدم الحرب الإلكترونية أداة مساندة، أو يمكن اعتبارها المرحلة الأولى التي تحاول التشويش على رؤية البلاد بأكملها قبل أن يصل الصاروخ الأول إلى هدفه.
كان التحالف الأمريكي الإسرائيلي يحشد قدراته ضمن مقاربة تكاملية تربط بين الاستطلاع الإلكتروني والتشويش والاشتباك، آخذين في الاعتبار أن الولايات المتحدة تملك اثنتين من أبرز منصات الحرب الإلكترونية في العالم.
إعلانالأولى طائرة "إي إيه-18 جي غراولر" (EA‑18G Growler) وهي منصة هجوم إلكتروني مصممة لقمع الدفاعات الجوية، ومهمتها التشويش على الرادارات وتعطيل قدرتها على الرصد والتعقب. وهي تعمل إما مرافقة للتشكيلات الضاربة، وإما من مسافة آمنة كمنصة تشويش مستقلة. وفي الحالتين، تجبر منظومات الدفاع الجوي على العمل في بيئة مشبعة بالضوضاء الكهرومغناطيسية، مما يضعف قدرتها على توجيه صواريخها بالرادار.
والثانية مقاتلة "إف-35" (F-35)، التي لا تعامل هنا على أنها مقاتلة شبحية فحسب، بل هي منصة استشعار إلكتروني متقدمة، إذ إنها تحمل منظومة حرب إلكترونية متكاملة (AN/ASQ-239) قادرة على التقاط الانبعاثات الرادارية وتحليلها وتصنيفها. أي أنها تستطيع بناء صورة محدثة لشبكة الدفاع الجوي المعادية في الزمن الحقيقي، ثم مشاركتها مع بقية قوة الضربة الجوية. ويتيح ذلك توزيع المهام بين طائرات مختلفة، فتتولى واحدة الاستطلاع وأخرى التشويش وثالثة الاشتباك، بدلاً من تحميل منصة واحدة كل هذه الأعباء.
لكن قبل توضيح كيف تعمل هذه المنصات معًا في الميدان، من المهم شرح مفهوم مهم وهو "سلسلة القتل" (Kill Chain). ورغم حدة التسمية، فإنها ليست أكثر من توصيف إجرائي للمسار الذي تسلكه أي عملية عسكرية من لحظة اكتشاف الهدف حتى تعطيله أو تدميره. وتتكون السلسلة من ست خطوات مترابطة، كل واحدة تغذي التي تليها. الأولى الرصد، أي أن ترى أن هناك هدفًا. ثم التحديد والتصنيف، أي أن تعرف ما هو وما قيمته. ثم تثبيت موقعه وتتبعه. ثم اتخاذ القرار وتخصيص السلاح المناسب. ثم الاشتباك أو إحداث التأثير المطلوب. وأخيرًا التقييم، أي التأكد من تحقق الأثر أو الحاجة إلى تكرار الضربة.
الفكرة الجوهرية هنا أن من يستطيع تسريع سلسلته وتقليص زمنها، أو كسر حلقة من سلسلة خصمه، يكسب جزءًا كبيرًا من المعركة حتى قبل إطلاق أول صاروخ. ويعمل الدفاع الجو