سنن النهوض «1»
الوعي قبل القوة: لحظة الاعتراف بداية الطريق
ميرغني الحبر/ المحامي
بعد أن وقفنا في مقالات سابقة عند اسباب سقوط الحضارات وملامح أفولها، فإن الانتقال إلى الحديث عن سنن النهوض ليس قفزة عاطفية ولا تعويضا نفسيا عن الاحباط، بل هو انتقال من تشخيص الداء إلى استكشاف قوانين التعافي، ومن قراءة الانحدار إلى فهم شروط الصعود . فكما أن للسقوط سننا لا تحابي احدا ، فإن للنهوض سننا لا تجامل امة.
النهوض ليس انفجار حماس، ولا مجرد تغيير في الوجوه، ولا ارتفاعاً عابراً في المؤشرات. إنه تحوّل في الوعي قبل أن يكون تحوّلاً في الواقع، وإصلاح في الداخل قبل أن يكون إعادة ترتيب في الخارج.
ولعل أولى هذه السنن وأعمقها أثراً: لحظة الاعتراف بالإخفاق.
الاعتراف ليس إعلان هزيمة، بل إعلان بداية. هو انتقال من مرحلة الدفاع عن الصورة إلى مرحلة إصلاح الواقع. وكثير من المجتمعات تتأخر في نهوضها لا لأنها تجهل مشكلاتها، بل لأنها تؤجل مواجهتها؛ تنشغل بتبرير الإخفاق، أو بإلقاء اللوم على الخارج، أو بإعادة إنتاج خطاب التفوق اللفظي لتعويض شعور داخلي بالخلل.
غير أن سنن التاريخ لا تجامل.
فالخلل الذي لا يُسمّى باسمه، لا يُعالج.
والأزمة التي لا يُعترف بها، تتحول مع الزمن إلى بنية مستقرة يصعب تفكيكها.
وهنا ينبغي التمييز بين جلد الذات ومراجعة الذات.
فجلد الذات يغرق في السلبية ويعمّم الفشل حتى يفقد المجتمع ثقته بنفسه، أما المراجعة الصادقة فتشخّص الخلل بحثاً عن أسبابه، وتفتح باب الإصلاح دون أن تهدم الروح المعنوية.
الأول يُنتج الإحباط،
والثاني يُنتج الوعي.
والوعي هو الشرارة الأولى في مسار النهوض.
فإذا أدرك المجتمع مواضع أزمته بوضوح، انتقل من التساؤل إلى الإرادة، ومن الإدراك إلى الفعل. وعندها يصبح الإصلاح ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً.
إن الاعتراف يحتاج إلى شجاعة؛
شجاعة سياسية تعترف بأخطاء السياسات،
وشجاعة فكرية تعترف بقصور الرؤى،
وشجاعة مجتمعية تعترف بأن بعض أنماط السلوك تحتاج إلى مراجعة.
وليس في ذلك انتقاص من الكرامة، بل هو عين الكرامة؛ فالأمم الواثقة من نفسها لا تخشى النقد، لأنها تعلم أن المراجعة تزيدها قوة، وأن مواجهة الخلل أول الطريق إلى تجاوزه.
أن نرى الواقع كما هو، لا كما نحب أن يكون.
فإذا صَحَّ الوعي، استقامت الإرادة،
وإذا استقامت الإرادة، انفتح باب الفعل المنظم،
ومن الفعل المنظم تبدأ رحلة الصعود.
وفي المقال القادم من سلسلة «سنن النهوض» ننتقل إلى السنة الثانية: كيف تتحول القيم من خطاب أخلاقي إلى قوة اجتماعية فاعلة؟
altaghyeer.info