الإسلامويون منظمة إرهابية.. شهادة على سنوات الدم في السودان
خالد أبو أحمد
ليست كل القرارات السياسية مجرد بيانات تُقرأ في نشرات الأخبار، فبعضها يأتي متأخراً كأنه صدى بعيد لصرخاتٍ ظلّت عالقة في ذاكرة الشعوب سنوات طويلة، والقرار الأمريكي باعتبار الحركة الإسلاموية في السودان تنظيماً إرهابياً يبدو لكثيرين من هذا النوع؛ قرارٌ لا يمكن قراءته وكأنه خطوة دبلوماسية معزولة، بل باعتباره لحظة من لحظات مواجهة التاريخ نفسه.
فالتاريخ مهما طال الزمن، لا ينسى الدماء التي سالت، ولا الوجوه التي غابت، ولا المُدن التي تحولت إلى مقابر مفتوحة للحلم، والقرارات الكبرى في السياسة الدولية غالباً ما تأتي بعد أن تتراكم الوقائع حتى يصبح الصمت عنها نوعاً من الإنكار.
لقد دخلت الحركة الإسلاموية إلى الحُكم في السودان تحت رايات كُبرى، وعن مشروع حضاري أنموذج في تطبيق الشريعة الإسلامية، وعن إعادة صياغة المجتمع وفق قيم دينية وأخلاقية، كانت اللغة التي قُدمت بها تلك التجربة لغة مثقلة بالمفردات الكبرى: النهضة، والإحياء، والتمكين للدين، غير أن السنوات التي تلت ذلك كشفت واقعاً مختلفاً تماماً، اتسعت فيه المسافة بين الخطاب والممارسة حتى أصبحت التجربة في نظر كثيرين نموذجاً لسلطة استخدمت الدين شعاراً سياسياً، بينما أدارت الدولة عملياً بأدوات القمع والإقصاء بأقسى ما يكون التعامل، متجردين من كل شعور بالإنسانية.
ولعل أكثر ما جعل تلك التجربة محل إدانة أخلاقية قبل أن تكون محل جدل سياسي هو أن كثيراً من وقائعها لم تعد مجرد روايات يرددها خصومها، بل تحولت إلى حقائق موثقة بل واعترف ببعضها قادة في النظام أنفسهم، فقد تناقلت مصادر عديدة تصريحاً صادماً للرئيس المخلوع عمر البشير قال فيه: “قتلنا ناس دارفور لأتفه الأسباب”، لم يكن هذا القول زلة لسان عابرة، بل اعترافاً كاشفاً عن ذهنية سياسية كانت ترى في القوة أداة للحُكم، وفي حياة المواطنين تفصيلاً يمكن تجاوزه في سبيل السلطة.
لقد كانت دارفور الجرح الأكبر في تلك السنوات، هناك تحولت القُرى التي كانت تنام على هدوء السهول إلى رماد، وتفرقت العائلات في طرق النزوح الطويلة، وصار اسم دارفور مرادفاً للألم في الضمير الإنساني، لم يكن ما جرى مجرد صراع محلي كما حاول البعض تصويره، بل مأساة إنسانية كشفت إلى أي مدى يمكن أن تنزلق الدولة عندما تختلط السلطة بالأيديولوجيا المسلحة.
لكن دارفور لم تكن سوى واحدة من المحطات التي كشفت طبيعة تلك المرحلة، ففي بورتسودان (ديم عرب) خرج مواطنون بسطاء يطالبون بإصلاحات معيشية وسياسية، غير أن صوتهم قوبل بالرصاص الحي فسقطوا قتلى في الشوارع التي كانوا يعبرونها كل يوم، وفي شمال السودان حين وقف الأهالي في كجبار وأمري دفاعاً عن أرضهم التي ورثوها جيلاً بعد جيل، واجهتهم الدولة بالقوة نفسها، وكأن الاحتجاج السلمي في تلك السنوات لم يكن حقاً مشروعاً، بل جريمة تستوجب القتل.
أما مأساة العيلفون فقد بقيت في الذاكرة السودانية كجرح لا يندمل مهما طالت السنوات، هناك في معسكر الخدمة الوطنية، كان شباب في مقتبل العمر ينتظرون لحظة العودة إلى أسرهم لقضاء عطلة العيد طلاباً في عمر الورد، يحملون أحلاماً صغيرة بحياة عادية، لكن تلك الأحلام انتهت فجأة حين تحولت لحظة الرجاء بالعودة إلى لحظة مواجهة مع الموت.
وفي واحدة من أكثر الحوادث قسوة في تاريخ المؤسسة العسكرية السودانية، أُعدم عدد من الضباط بعد محاولة انقلابية في شهر رمضان. وقد بقيت تلك القضية لسنوات طويلة جرحاً مفتوحاً في ضمير المجتمع، ليس فقط بسبب الإعدامات نفسها، بل لأن أمهات الضحايا وآباءهم حُرموا حتى من حق الحداد، ومنعوا من إقامة العزاء، وتعرضوا للاعتقال والمعاملة المهينة.
وقد زاد من وقع تلك الحادثة ما كشفته تسجيلات بثتها قناة العربية، ظهر فيها القيادي في الحركة الإسلاموية علي عثمان محمد طه وهو يتحدث ببرود لافت عن تلك الواقعة قائلاً: “نحن في يوم واحد أعدمنا 28 ضابطاً”، وهو اعتراف أكد ما ظل يتردد طويلاً في الذاكرة الوطنية حول تلك الحادثة المؤلمة.
غير أن الجرح الأعمق في الذاكرة السودانية المعاصرة تمثل في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم. ففي تلك الأيام كان آلاف الشباب قد تجمعوا حول القيادة العامة للقوات المسلحة وهم يحملون حلم التغيير بعد عقود طويلة من الاستبداد. كان الاعتصام أشبه بوطنٍ صغير يولد من جديد، حيث امتزجت الأغاني الوطنية بأحلام جيل كامل يتطلع إلى دولة الحرية والعدالة.
لكن فجر ذلك اليوم الدامي حوّل الحلم إلى مأساة. فقد اقتحمت القوات موقع الاعتصام بعنف بالغ، لتتحول الساحة التي كانت تضج بالأمل إلى مسرح للفوضى والدم. وفي تلك اللحظة ظهرت أبشع صور التوحش والقسوة، حيث قُتل الشباب بدم بارد، وأُلقيت جثث بعضهم في نهر النيل، في مشهدٍ لم يهز وجدان السودانيين وحدهم، بل صدم الضمير الإنساني في كل مكان.
لكن خلف كل هذه الوقائع التي تُكتب في التقارير السياسية وتُحصى في الملفات الحقوقية، هناك قصة أخرى لا تظهر كثيراً في العناوين: قصة الأمهات، فالأم السودانية التي خرج ابنها ذات صباح ولم يعد، لا تعرف كثيراً عن توازنات السياسة ولا عن بيانات العواصم البعيدة، لكنها تعرف جيداً معنى الغياب حين يتحول إلى قدر. في دارفور، وفي بورتسودان، وفي العيلفون، وفي الخرطوم يوم فض الاعتصام، بقيت أمهات كثيرات ينظرن إلى الأبواب كل مساء، كأن الزمن توقف عند اللحظة التي خرج فيها أبناؤهن.
بعضهن ما زلن يحتفظن بملابس أبنائهن كما تركوها، وبعضهن لا يقدرن على المرور بالأماكن التي كانوا يجلسون فيها لأن الذاكرة هناك تصبح أثقل من القلب. هؤلاء الأمهات لا يظهرن في نشرات الأخبار، ولا تُذكر أسماؤهن في البيانات السياسية، لكن دموعهن الصامتة هي في الحقيقة الصفحة الأكثر صدقاً في تاريخ تلك السنوات؛ الصفحة التي تذكّرنا بأن وراء كل رقم في قوائم الضحايا حياة كاملة انطفأت، وبيتاً انكسر، وقلب أمٍ لن يلتئم أبداً.
ولم تقتصر آثار تلك السياسات على الداخل السوداني فحسب، بل امتدت أيضاً إلى علاقات السودان مع العالم. ففي مرحلة معينة تحولت الخرطوم إلى محطة لعدد من التيارات المتشددة، واستضافت البلاد زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، كما تورطت قيادات في الحركة الإسلاموية في التخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، ومنذ تلك اللحظة دخل السودان في دوامة من العزلة السياسية والضغوط الدولية دفع ثمنها شعبه قبل أي طرف آخر.
وفي الداخل أيضاً عرفت البلاد فصولاً أخرى من القمع، من بينها المعتقلات السرية التي عُرفت ببيوت الأشباح، حيث تعرض معارضون سياسيون لأشكال قاسية من التعذيب والانتهاكات.
كل هذه الوقائع مجتمعة لا يمكن النظر إليها بوصفها حوادث متفرقة، بل كجزء من تجربة حكم كاملة تركت آثاراً ثقيلة على الدولة والمجتمع. ومن هنا يمكن فهم القرار الأمريكي الأخير لا باعتباره خطوة في لعبة السياسة الدولية، بل باعتباره انعكاساً متأخراً لتلك التجربة بكل ما حملته من مآسٍ.
إن الضحايا الذين سقطوا في دارفور، وفي بورتسودان، وفي العيلفون، وفي مجزرة القيادة العامة، ثم في الحرب التي أشعلوها في السودان ولا تزال رحاها تدور حتى اليوم، وقد حصدت أرواح الآلاف من الأبرياء في كل بقاع البلاد، لم يكونوا مجرد أسماء تُضاف إلى قوائم الموت، بل كانوا حياة كاملة توقفت فجأة، وأحلام شبابٍ كانوا يريدون وطناً عادلاً.
ولهذا فإن العدالة الحقيقية لهم لا تتحقق فقط في قرارات سياسية تصدر من الخارج، بل في أن يتحول الألم الذي عاشه السودانيون إلى درسٍ تاريخي لا يتكرر. فالأمم التي لا تواجه ماضيها بصدق تظل أسيرة له مهما حاولت الهروب.
ولهذا.. حين ننظر إلى القرار الأمريكي اليوم، قد يبدو في ظاهره موقفاً سياسياً، لكنه في عمقه يذكّر بحقيقة أبسط وأقسى:
إن القرار الأمريكي لا يقتص من الجناة بطبيعة الحال، لكنه يذكّر العالم بأن ذاكرة الشعوب لا تنسى، وأن عدالة السماء آتيةٌ لا ريب فيها.
مساء الاثنين 9 مارس 2026م
altaghyeer.info