سنن النهوض «2»
إحياء الضمير العام: حين تصبح القيم قوة اجتماعية
ميرغنى الحبر/ المحامي
إذا كان الوعي بالخلل هو الخطوة الأولى في طريق النهوض، فإن الخطوة التالية لا تقل أهمية: إحياء الضمير العام. فالمجتمعات لا تنهض بالخطط وحدها، ولا بالمؤسسات وحدها، بل بوجود منظومة قيمية تجعل الصواب مرغوباً والخطأ مستنكراً.
القانون يستطيع أن يضبط السلوك في العلن، لكنه لا يستطيع أن يراقب الضمائر في الخفاء. ولذلك فإن الحضارات التي اعتمدت على القانون وحده دون أن تسنده بقوة أخلاقية داخلية، ظلت دائماً معرضة للاهتزاز كلما ضعفت الرقابة أو اتسعت مساحات النفوذ.
من هنا يصبح الضمير العام أحد أهم الممسكات التي تحفظ تماسك المجتمع.
فالضمير ليس مجرد شعور فردي، بل هو مناخ أخلاقي عام يتشكل عبر التربية والثقافة والدين والعادات الاجتماعية. وحين يترسخ هذا المناخ، تتحول القيم من نصوص مكتوبة أو خطب وعظية إلى قوة اجتماعية فاعلة.
فعندما يصبح الصدق قيمة مشتركة، لا يحتاج المجتمع إلى مراقبة كل كلمة.
وحين تصبح الأمانة معياراً عاماً، تقل الحاجة إلى التعقيدات الإجرائية.
وعندما يصبح العدل مطلباً وجدانياً، لا يستطيع النفوذ أن يفرض منطقه بسهولة.
وهنا يظهر دور المرجعيات الأخلاقية الكبرى التي عبر التاريخ أسهمت في بناء الضمير الجمعي. فقد أدرك كثير من المفكرين أن استقامة المجتمع لا تتحقق بالقوانين المجردة وحدها، بل بحاجة إلى وازع داخلي يجعل الإنسان يلتزم بالقيم حتى في غياب الرقيب. ولهذا نجد في التراث الفكري الإسلامي تأكيداً متكرراً على أن العدل هو أساس العمران، على قول ابن خلدون ، وهو المعنى الذي شدد عليه الإمام ابن القيم الجوزية حين ربط صلاح المجتمعات بانتشار العدل بين الناس.
غير أن إحياء الضمير العام لا يحدث بالمواعظ وحدها.
إنه عملية طويلة تبدأ من التربية، وتتعزز بالقدوة، وتترسخ حين ترى المجتمعات أن القيم التي تُعلَّم في المدارس وتُرفع في الخطاب العام تُطبَّق فعلاً في الواقع.
فالناس لا تتعلم القيم من الكتب فقط، بل من المثال الحي.
وإذا اتسعت المسافة بين الخطاب والسلوك، ضعفت الثقة وتآكل الأثر التربوي.
لهذا فإن إصلاح الضمير العام يبدأ غالباً من الأعلى؛ من النخب السياسية والفكرية والاقتصادية التي يفترض أن تكون نموذجاً في احترام القيم التي تدعو إليها. وحين يرى المجتمع أن القانون يطبق بعدل، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة، وأن الامتياز لا يتحول إلى حصانة، تتجدد الثقة ويستعيد الضمير الاجتماعي حيويته.
إن المجتمعات التي تمتلك ضميراً حياً لا تحتاج إلى قسر دائم لكي تستقيم.
فالناس فيها يتجنبون الخطأ ليس خوفاً من العقوبة فقط، بل احتراماً لقيم مشتركة تشكل أساس حياتهم العامة.
فبعد الوعي بالخلل، يأتي بناء الضمير الذي يحمي المجتمع من العودة إلى الأخطاء نفسها.
وفي المقال القادم من سلسلة «سنن النهوض» ننتقل إلى سؤال آخر لا يقل أهمية:
كيف تستعيد النخبة شرعيتها، وتتحول من دائرة امتياز إلى دائرة مسؤولية؟.
altaghyeer.info