سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

السودان.. ثروة حيوانية في مواجهة الرصاص

منتدى الإعلام السوداني

نعمات الحاج

الأبيض، 10 مارس 2026 (جُبراكة نيوز) –  كان قطاع الثروة الحيوانية في السودان أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد السوداني، ويساهم بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي، ويغذي أسواقا محلية وخارجية، ويشكل مصدر دخل رئيسيا لنحو 40% من السكان.

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 وتصاعد العمليات العسكرية في دارفور وكردفان واجه القطاع صدمات غير مسبوقة انعكست على الإنتاج، الصحة الحيوانية، سلاسل الإمداد، والتصدير، ما جعل مستقبل أحد أهم القطاعات الإنتاجية في السودان مهددا بشكل كبير.

قبل اندلاع الحرب، كانت حركة الرعاة تنشط في مراع واسعة من مناطق (أم بادر وحمرة الشيخ) شمالا، حتى مناطق (بحر العرب وجبال النوبة) جنوبا، وهي حركة نشطة طوال العام. أما في ثنايا الحرب فقد تقلصت المساحات وتركزت القطعان في رقعة محددة، وواجهت مشكلة الماء، إذلم توفرآبار (الدوانكي) الكميات المطلوبة من المياه،نسبة لعدم توفر الوقود، وارتفع سعر سقية القطيع، مع عدم توفر أسواق لبيع الذكور من الضأن لمواجهة المنصرفات.

كذلك أدى اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في المناطق الممتدة بين (الخوي) و(النهود) إلى نفوق الكثير من الماشية نتيجة لتساقط الرصاص وانفجار الدانات بشكل مباشر على القطعان، فضلا عن حرائق المراعي.

ثمة قطاع آخر من القطعان خاضع للحركة التجارية تكون وجهته الأسواق في إقليمي دارفور وكردفان، فبعد تجميع القطعان والسير بها شرقا تصل إلى مناطق الحجر الصحي في محاجر (الخوي والرهد وبارا) لتكون جاهزة للتصدير، إذ يتم شحنها في لتصل إلى الموانئ على البحر الأحمر.

وطبقا لتقرير تحليلي نشرته شبكة “أتر”، استنادا إلى بعثة تقييم المحاصيل وإمدادات الغذاء التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) وأوراق بحثية دولية، كان قطاع الثروة الحيوانية يضم نحو 111.8 مليون رأس، تشمل الأغنام والماعز والأبقار والإبل، ويغطي حوالي 90% من احتياجات السوق المحلي من اللحوم كما كان يمثل موردا رئيسيا للعملات الأجنبية من خلال الصادرات المنظمة، خاصة الأغنام والإبل والأبقار، إلى أسواق مثل جدة والقاهرة.

تأثير الحرب على تجارة الماشية

يقول حسين عثمان، تاجر ماشية في كردفان منذ 2008، إن الحرب عطلت تماما منظومة التصدير، التي كانت تمر بمراحل لوجستية منظمة تشمل التجميع في الأسواق المحلية، الفحص البيطري، النقل إلى موانئ التصدير، والشحن عبر شركات ملاحة متخصصة.

وأضاف أن انقطاع الطرق، ارتفاع التكاليف، والمخاطر الأمنية أدى إلى توقف البيع والشراء وتجميد الصادرات، مع فرض رسوم جديدة وصعوبات في النقل والتأمين، ما تسبب في خسائر كبيرة للرعاة والتجار.

وفي الواقع، عند توسع دائرة الحرب وخضوع أجزاء من مناطق حركة القطعان لسيطرة قوات الدعم السريع، وأخرى تحت سيطرة الجيش، واجه القطاع صعوبات كبيرة، حيث حال إغلاق الطرق دون ترحيل الصادر من الماشية، فضلا عن تعرض القطعان لعمليات السلب والنهب والسرقة التي أصبحت ممنهجة، مما زاد التكاليف.

في هذا الخضم، ظهر بعض الأشخاص المسلحين، يطلق عليهم المطوفين، وهم عادة من أبناء المناطق نفسها، يتم الاتفاق معهم لحراسة القطعان في طريق السير حتى تصل إلى وجهتها مقابل أن يدفع صاحب القطيع مبلغا ماليا متفق عليه.

ومع ذلك، لم تسلم القطعان من النهب والسلب، خاصة مع وجود ما يطلق عليه (البوابات) المنتشرة على الطرق التي تسلكها القطعان.تتبع هذه البوابات لمجموعات قبلية مسلحة تقوم بتحصيل مالي، وعند دخول مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تحتجز القطعان وتمنعمن المرور إلا بعد بدفع مبلغ كبير.

يوسف نواي البدري، مدير قطاع الثروة الحيوانية في جنوب كردفان، أشار إلى أن العمليات العسكرية أدت إلى انحسار المراعي في المناطق الشرقية للولاية، ما جعل من محلية القوز المركز الرئيسي للثروة الحيوانية، حيث تحتوي حاليا على نحو 12 مليون رأس.

وأشار إلى أن التغطية البيطرية تواجه صعوبات بالغة، ولا تتجاوز 30% من إجمالي القطعان، حتى بعد تدخل بعض المنظمات لدعم القطاع. ولفت إلى أن ضعف التغطية يشكل عبئا إضافيا على الحكومة المحلية، خاصة مع انقطاع الطرق وسلاسل الإمداد، رغم أن المراحيل ما تزال تعمل بصورة مقبولة، والبحث عن مسارات بديلة ساعد الرعاة على حماية مواشيهم.

في وقت لاحق من الصراع أصدرت قيادة قوات الدعم السريع قرارا يمنع مرور صادرات كردفان ودارفور من المنتجات الزراعية والحيوانية إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش، في هذا الواقع واجه تجار الماشية الكثير ما دفعهم لاتخاذطرق بديلة، حيث اتجهوا إلى الشمال، منطقة (الدبة)، مرورا بـ (المزروب)، وهي مناطق تقل فيها المياه ما زاد التكلفة، فضلا عن ازدياد تكاليف الشحن العالية.

نهب وتهريب وتراجع المراعي

أشار خبير في الثروة الحيوانية في حديثه لـ (جُبراكة نيوز) إلى أن العمليات العسكرية أجبرت الرعاة على تجنب المسارات الرسمية، ما أدى إلى تراجع الاستفادة من المراعي، وأضاف أن الإقليمين شهدوا عمليات نهب واسعة للماشية، وارتفاعا في النفوق بسبب تعطل الوصول إلى المراعي والمياه. كما تنشط شبكات تهريب الماشية إلى دول الجوار، مستفيدة من الطلب ونقص الموارد هناك.

مخاوف من نشاط خارج الأطر الرسمية

في شمال دارفور، أفاد شاب من مدينة الفاشر بأنه شاهد أعدادا كبيرة من الماشية على الطريق بين منطقة طويلة ومنطقة قرني، في مسافة تستغرق نحو ثلاث ساعات بالسيارة، ما يعكس كثافة كبيرة للقطعان وتقع هذه المناطق ضمن نطاقات تخضع حاليا لسيطرة قوات الدعم السريع بحسب الواقع الميداني، مع مخاوف من خروج بعض أنشطة النقل أو البيع عن الأطر الرسمية المتعلقة بالحجر البيطري وصحة الحيوان، في ظل ضعف الرقابة.

ويرى مراقبون أن أي عمليات تصدير خارج البروتوكولات المعتمدة قد تتم عبر مسارات صحراوية باتجاه دول الجوار، أو منافذ غير خاضعة للرقابة، لكن هذه المعلومات لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل.

الحرب في دارفور وكردفان لم تقتصر آثارها على الأمن والاستقرار السياسي، بل امتدت لتضرب عمق الاقتصاد الزراعي والبيئي في السودان، حيث تعرضت الثروة الحيوانية لضغوط شديدة، بما في ذلك توقف التصدير، تراجع المراعي، ارتفاع معدلات النفوق، وتهريب ونشاط غير منظم.

في ظل تركيز أكبر القطعان في مناطق معينة، وقيود التغطية البيطرية، تصبح القدرة على استعادة القطاع وتعزيز الأمن الغذائي مستقبلا رهنا بتحسن الوضع الأمني، فتح الطرق، واستقرار سياسات الصحة الحيوانية والتصدير يبقى قطاع الثروة الحيوانية في السودان محركا اقتصاديا أساسيالكنه يواجه تحديات غير مسبوقة تتطلب حلولا عاجلة ومتضافرة من الحكومة، المنظمات المحلية والدولية، والمجتمعات الرعوية.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (جبراكة نيوز) لتعكس الضرر البالغ الذي خلفته الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع على قطاع الثروة الحيوانية، خصوصا في كردفان ودارفور حيث تنشط العمليات العسكرية على نطاق واسع.

أجبرت العمليات العسكرية الرعاة على تجنب مسارات الرعي المعروفة وواجهوا عمليات نهب واسعة للماشية، وارتفاعا في أعداد الماشية النافقة بسبب تعطل الوصول إلى المراعي والمياه. كما نشطت في هذا الخضم شبكات تهريب القطعان إلى دول الجوار، مستفيدة من الطلب ونقص الموارد هناك.

altaghyeer.info