في البدء كان الانقلاب
د. عبد الله عابدين
في يومٍ ذي مسغبة، وشوارع مدينة الخرطوم صامتة وخالية من أي أثرٍ للمارة، يسدّ رئتيها هواء شديد الكثافة يكاد يزهق روحها. صحوتُ من غفوتي في استراحة أطباء مستشفى الخرطوم التعليمي، فركتُ عينيّ وتمطيتُ بجسدي كله طاردًا تعب نوبتي الليلية في قسم النساء والتوليد، وحدة الدكتور محمد سعيد الريح، ليلة التاسع والعشرين من يونيو 1989م.
كانت تلك آخر ليلة لي في هذا القسم، وكان اليوم الذي أصبحتُ عليه يوم جمعة، فيما أذكر. توجهتُ إلى كافتيريا الأطباء لتناول كوب من الشاي، ثم أستقل المواصلات العامة، كعادتي، في طريقي إلى ميز أطباء مستشفى الخرطوم بحري التعليمي، حيث كنت أقيم.
ولجتُ إلى كافتيريا الأطباء متثاقلًا من فرط السهر الشديد في نوبة الأمس، فلفت نظري فور دخولي تجمهر غير معهود حول ذلك التلفاز القديم. ماذا هناك؟ تساءلت في فضول وأنا أقترب من الجمهرة حول التلفاز. ذهلت عندما وقعت عيناي على صورة لضابط أسمر اللون، في كامل حلته، يتحدث عن «لماذا اضطروا للقيام بهذا الانقلاب»!
وكان ملأ الأطباء لدى التلفاز يختصمون حول هوية الحدث ومن يقف وراءه؛ إذ من المعلوم دائمًا أن مثل هذه الأحداث الدورية في بلادي، المسماة بالانقلابات العسكرية، تكون وراءها قوى مدنية ما. فمن يا ترى هذه المرة؟
ولا أبيح سرًا إذا قلت إنني أحسست بانقباض شديد لحظتها، وشعرت توًّا بأن هذا الحدث لا ينذر بخير. وعلمت أيضًا سر الجلبة الكبيرة التي استيقظت على أثرها مرات عديدة طوال ليلتي السابقة، فالقيادة العامة للقوات المسلحة تقع على مرمى حجر من حيث كنت أغفو وأصحو في استراحة الأطباء في ذلك المشفى العريق.
وعندما كنت ألبي النداءات المتكررة لتفقد مريضة أو حاملاً، أو أقف على إحداهن وهي توشك أن تُجهض حملها، أو أجري ما تراكم من عمليات ما كان يُعرف بـ«الكحت» في عامية أقسام النساء والتوليد في السودان، كانت جلبة القيادة العامة أوضح من أن أنكرها. وتأكدت أن الأمر ليس عاديًا، وأن شيئًا ما يُدبَّر تحت ستار الليل، ولكن ما هو؟
خرجت من المستشفى، منعرجًا يسارًا إلى شارع القصر، متوجهًا إلى حيث أستقل المواصلات العامة إلى مدينة الخرطوم بحري، ولكن المحطة كانت خالية، كما الطرقات نفسها! كان الوقت ضحىً، ولم أقابل أحدًا في مساري بمحاذاة شارع القصر، من المستشفى إلى محطة المواصلات فيما عُرف بميدان أبو جنزير.
أسقط في يدي: هل أرجع إلى حيث كنت، أم أغامر بمواصلة السير على قدميّ، آملًا أن يلتقطني أحد أصحاب السيارات فيقصر عليّ المشوار؟ إذن فلأواصل السير على الأقدام. سرت يسارًا على امتداد شارع القصر، ثم يمينًا لأجد نفسي في شارع الجمهورية. لا يقطع خواطري في تلك الأمكنة الأثيرة إلا صدى صوت ذلك الضابط الانقلابي وادعاؤه الأجوف بأنهم جاءوا لإنقاذنا!
والسؤال الماثل: هل للعسكر سوى هذه السمة المتنطعة التي تربّوا عليها؟ أليس لهم الصدر ولنا نحن عامة الشعب القبر؟ ألا يعيرون أحدنا بـ«الملكي»، ويستنكفون عن ركوب وسائل المواصلات العامة معنا؟ ولكن فضلًا، إذا كان هذا الذي ذكرنا يصلح وصفًا للعسكر – وهو كذلك دون أدنى ريب، خاصة في رتبهم العليا – فما الذي يصلح وصفًا في حق زمر المدنيين من أولئك الذين يسارعون إلى ركوب مطايا العسكر في الوصول الانتهازي إلى دست الحكم؟
واصلت سيري، مزيحًا جانبًا التساؤل أعلاه، حتى أوشكت على الشارع المؤدي إلى «كبري الحديد». حتى الآن لم أقابل أحدًا، لا مدنيًا ولا عسكريًا. أليس هذا أمرًا عجيبًا؟ أعني خلو الشوارع من العساكر. ففي مثل هذه الأيام، فوق العادة، نتوقع أن ينتشر العسكر في الشوارع تحوطًا وتجنبًا لأي طارئ أو اختراق قد يقلب الأمور رأسًا على عقب، خاصة وأن نطاق حركتي التي وصفت توًّا لم يبارح النطاق المجاور للقيادة العامة ذاتها. أما الآن فإنني أبعد بضعة كيلومترات عن مدخلها ذاته.
ألهذا الحد تكون الانقلابات في بلادي سهلة وميسورة؟ تقوم مجموعة مغامرة من الضباط – غالبًا «شلة» من الضباط الأصدقاء أو الذين تجمعهم مذهبية أو أيديولوجيا أو توجه ما – تنتحل أسماء حسب ما يقتضيه الحال: ضباطًا إسلاميين، أو ضباطًا أحرارًا، إلى غير ذلك من الأسماء. بينما الضابط من هؤلاء أو أولئك يجب أن يكون فقط، وبصورة حصرية، ضابطًا وطنيًا يذود عن حدود الوطن، بعيدًا عن النشاط السياسي والاقتصادي، يعكف على إتقان فنه العسكري وتجويده، ولا يتواجد وسط المدن والتجمعات السكانية المدنية الأخرى؛ حيث المقام هنا لقوات مسلحة أخرى هي قوات الشرطة.
والأخيرة يجب أن تكون متوفرة على تدريب وتأهيل عاليين للتعامل مع المواطنين باحترام ومهنية محكومتين بالقانون الدستوري. هذه القوات – الشرطة – هي التي يجب أن تكون موزعة في مراكز في أحياء المدن، وفي القرى والنجوع، إنفاذًا للقانون وحفظًا للأمن في هذه المواقع وغيرها من المواقع المدنية.
توجهت توًّا إلى كوبري الحديد، وقد استيأست من أنني سألقى عربة تقلني إلى مقصدي، واطمأننت إلى أنني لن أُوقف من قبل أي عسكري يسألني عن هويتي! بالفعل – ويا للغرابة – عبرت كوبري الحديد ووصلت إلى مدينة الخرطوم بحري على الجانب الشرقي للنيل، ولم تقابلني أي حراسة على الكوبري.
هنا، ولأول مرة – حيث كان الوقت قد قارب وقت صلاة الجمعة – رأيت أعدادًا قليلة من المواطنين في اللباس الأبيض يهرعون إلى مسجد السيد علي الميرغني لأداء صلاة الجمعة. ورأيت آخرين في المحطة الوسطى منتشرين هنا وهناك، ولكن ليس بالكثافة المعهودة في الأيام العادية.
انتهت بي حركتي إلى ميز أطباء مستشفى الخرطوم بحري، وحكيت لزملائي تفاصيل مشواري الطويل راجلًا، وكيف أن الطريق كانت هادئة، بما لا يمت بصلة لما تم من انقلاب على ديمقراطية السودان الثالثة بعد الاستقلال من المستعمر، ومن تقويض لأسس المشاركة الشعبية التي كان يجب السهر على استدامتها وتطويرها بتصحيح أخطائها كل مرة، حتى تفضي ببلادنا إلى ترسيخ سلطة الشعب.
وذلك من خلال موالاة توعيته وتنويره؛ فالديمقراطية ليست شيئًا سوى «حكم الشعب، بواسطة الشعب، لمصلحة الشعب»، كما قال أبراهام لنكولن.
مرة أخرى عادت إلى مخيلتي صورة الضابط الأسمر في التلفاز وهو يتلو مذكرته الممجوجة المكررة على المواطنين، مدعيًا أنه جاء لـ«إنقاذ» البلاد، وزاعمًا أن ما اجترحوه في التو والآن هو «ثورة»!
هكذا إذن، فهي «ثورة الإنقاذ»! وستطير هذه العبارة – ثورة الإنقاذ – في أفق الحياة السودانية العامة، وفي فضاءاتها المدنية والسياسية طوال الثلاثين عامًا العجاف التي ستلي.
altaghyeer.info