
يستبعد خبير الأمن القومي والعلاقات الدولية اللواء محمد عبد الواحد إمكانية استيلاء أمريكا وإسرائيل على جزيرة خرج الإيرانية في المدى القريب، ويؤكد أن تنفيذ هذه العملية يتطلب تدمير قدرات إيران بالكامل أولا حتى لا تبقى لديها إمكانيات للرد.
ويضيف عبد الواحد -الذي كان ضابطا بحريا ضمن القوات المصرية المشاركة في حرب الخليج عام 1991- أن الجزيرة تبعد نحو 25 كيلومترا فقط من الساحل الإيراني، وهي "مسافة ليست قليلة" كما يقول، مما يعرض القوات الأمريكية لمخاطر جسيمة في أي عملية عسكرية لها على الجزيرة.
ويتصاعد الحديث عن السيطرة على هذه الجزيرة الصغيرة غير المأهولة بالسكان -التي تبلغ مساحتها نحو 20 كيلومترا مربعا- في التقارير الغربية وتحليلات مراكز الأبحاث، فقد أوضح مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تختار فرض حصار على جزيرة خرج أو احتلالها لإضعاف النظام الإيراني عن طريق تجفيف مصادر قوته المالية.
وتكمن أهمية جزيرة خرج في كونها المحطة الرئيسية لتصدير النفط الإيراني، حيث يمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، كما يشير اللواء عبد الواحد في تصريحاته للجزيرة نت.
كما تضم الجزيرة منشآت نفطية هائلة تشمل خزانات ضخمة لتخزين النفط ومرافئ متخصصة لتحميل الناقلات، إضافة إلى منشآت صناعية مرتبطة بقطاع الطاقة. وبالتالي فإن الاستيلاء على هذه الجزيرة سيوقف صادرات النفط الإيرانية فورا، ويحرم طهران من إيرادات حيوية تصل لمليارات الدولارات، حسب تقدير خبير الأمن القومي.
ويميز اللواء عبد الواحد بين مستويين متوازيين من التحركات الأمريكية تجاه المنطقة:
ويفصل ذلك بأن ترامب في كل تصريح يتحدث عن السيطرة على مضيق هرمز وقيام الوحدات البحرية بتأمين السفن التجارية في هذا المضيق، بينما تدور "مناقشات مغلقة" يتم تسريب أجزاء منها عن الاستيلاء على جزيرة خرج.
وقد كرر ترامب في تصريحاته الأخيرة -حسب اللواء عبد الواحد- أنه "قضى تماما على القطع البحرية الإيرانية"، ويعد هذا التكرار جزءا من حرب نفسية كبيرة ويعد إشارة أيضا إلى السفن لكي "تتجرأ وتعبر" مضيق هرمز، حيث إن العديد من السفن ترفض المرور به في أجواء متوترة.
ويبرر الطرفان الأمريكي والإسرائيلي هذا التوجه، حسب اللواء عبد الواحد، بأن عائدات النفط "تدعم منظمات إرهابية أو تدعم الحرس الثوري وغيره"، وبالتالي فإن التركيز على هذه الجزيرة سيحرم إيران من جزء كبير جدا من النفط. كما أن استهدافها يمثل "ردا على الهجمات الإيرانية ووسيلة لإجبار إيران على الاستسلام أو تغيير النظام دون الحاجة لغزو بري واسع".
ويشرح خبير العلاقات الدولية الطريقة التي يمكن أن يتم بها الاستيلاء على جزيرة خرج من الناحية التكتيكية: "لا بد أن يتم ذلك من خلال قوات برية تحتل هذه الجزيرة وتسيطر عليها، ويتم تأمينها بوحدات بحرية". لكنه في الوقت نفسه يحذر من أن "تداعيات ذلك ستكون مكلفة للغاية"، لأن إيران "لم ولن تترك الجزيرة بهذا الشكل، وستقوم بضربها بالصواريخ أو المسيرات أو المدفعية".
وتقع جزيرة خرج على مسافة تقارب 55 كيلومترا شمال شرقي ميناء بوشهر، وتبعد نحو 15 ميلا بحريا عن البر الرئيسي لإيران. وتنتمي إلى الجزر المرجانية في الخليج العربي، مما يمنحها طبيعة جيولوجية مميزة. لكن هذا القرب يجعلها في مرمى النيران الإيرانية، وهو ما يفسر تحذير اللواء عبد الواحد من أن "العملية العسكرية ستعرض القوات الأمريكية للمخاطر".
ولذلك يتوقع اللواء السابق في الجيش المصري أن تُؤجل هذه العملية إلى "مرحلة لاحقة حتى يتم إضعاف إيران بالكامل"، وحينها "تستطيع الولايات المتحدة ومعها إسرائيل السيطرة على هذه الجزيرة"، فالعملية تتطلب التأكد أولا من تدمير قدرات إيران بالكامل حتى لا تبقى لديها قدرات للرد.
ومن المخاطر الأخرى التي يشير إليها اللواء عبد الواحد أن إيران في هذا التوقيت قد "تضرب منشآت نفط في الخليج كله، خاصة في السعودية، وستصبح لديها ذريعة لهذه العملية". فاستهداف جزيرة خرج قد يدفع طهران إلى توسيع دائرة الصراع وضرب منشآت نفطية خليجية، مما يحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة.
ويضع اللواء عبد الواحد الحديث عن جزيرة خرج ضمن سياق إستراتيجي أوسع يتعلق بالسيطرة الأمريكية على الممرات المائية حول العالم، فالسيطرة على مضيق هرمز، كما يقول، هي "حقيقة إستراتيجية أمريكية تهدف إلى السيطرة على الممرات المائية حول العالم، وهذه الفكرة مركزية في عقلية ترمب".
ويشير إلى أن "الهدف الأمريكي من التواجد في المنطقة هو السيطرة على الممرات المائية والمضائق": السيطرة على مضيق باب المندب، وبحر العرب، وقواعد عسكرية في جيبوتي، وقيادة الأسطول الخامس في البحرين، والقيادة المركزية في قطر، "كلها أمور تعبر عن إستراتيجية شاملة للسيطرة، ليست فقط على إيران ولكن أيضا للحد من نفوذ الصين".
إعلانويوضح اللواء عبد الواحد الفارق الإستراتيجي بين السيطرة على جزيرة خرج والسيطرة على مضيق هرمز قائلا: "السيطرة على جزيرة خرج تعني السيطرة على النفط الإيراني، بينما السيطرة على مضيق هرمز تعني السيطرة على نفط الخليج بأكمله". فالمسافة بين جزيرة خرج والمضيق "حوالي 300 ميل بحري، أي ما يقرب من 480 كيلومترا"، وبالتالي فإن السيطرة على مضيق هرمز "تمنح الأمريكيين فرصة للسيطرة على نفط إيران والخليج معا بسبب الأهمية الحيوية لهذا الممر كممر رئيسي لنفط المنطقة".
ويضيف أن "السيطرة على مضيق هرمز ليست فقط سيطرة على النفط، بل على الاقتصاد العالمي بأسره"، حيث إن "دول الخليج تعتمد على هذا المضيق لتلبية احتياجاتها الأساسية مثل الغذاء والدواء".
يذكر أنه يمر عبر مضيق هرمز يوميا نحو 21 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي تقريبا.
ويلفت عبد الواحد إلى أن "أمريكا تريد أن تلعب بورقة النفط والسيطرة عليه"، وهذا "يؤجج الصراع مع الصين". فالصراع الأساسي الحالي بين الصين وأمريكا، كما يقول، "يتجسد في التنافس على الممرات المائية، وهذا من شأنه أن يشكل ضغطا كبيرا على الصين".
ويتوقع اللواء عبد الواحد أن "الصين لن تقبل بهذا إلا إذا قدمت أمريكا وعودا بتقسيم النفوذ وتأمين وصول حصة الصين من النفط"، وفي هذه الحالة "لن تهتم الصين بهذا الموضوع". لكن في حال عدم التوصل لمثل هذا الاتفاق، فإن السيطرة الأمريكية على مضيق هرمز وجزيرة خرج قد تدفع الصين للرد، خاصة أنها تعتمد على النفط الإيراني بشكل كبير.
وتُعرف جزيرة خرج اليوم بلقب "الجزيرة المحرمة"، ليس بسبب أساطير غامضة، بل نتيجة القيود الأمنية الصارمة المفروضة عليها بسبب وجود المنشآت النفطية الكبرى التي تخضع لحماية مشددة من قوات الحرس الثوري الإيراني.
ومع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يومها الثاني عشر، تبرز جزيرة خرج كواحدة من أبرز النقاط الساخنة بين الطرفين، فهي بالنسبة لإيران شريان اقتصادي حيوي لا يمكن التفريط فيه، وبالنسبة لواشنطن وتل أبيب نقطة ضغط محتملة قد تحقق مكاسب إستراتيجية كبيرة. لكنها في الوقت نفسه تمثل وضعا عسكريًا معقدًا.
وبالتالي فإن هذا السيناريو يبقى مؤجلا إلى مرحلة قادمة، عندما تتأكد واشنطن من تدمير القدرات الإيرانية بالكامل، في حرب تدخل مراحلها الحرجة ولا يبدو أن نهايتها قريبة، كما قال عبد الواحد للجزيرة نت.
aljazeera.net