
في خضم الحرب الأمريكية الجارية ضد إيران يتصدر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث المشهد بوصفه أحد أبرز الوجوه السياسية والعسكرية المرتبطة بها.
وتُجمع عدة صحف غربية على أن خطابه وتصريحاته يقدمان نموذجا مختلفا عن الخطاب التقليدي لوزراء الدفاع الأمريكيين، إذ يختلط فيه تمجيد القوة العسكرية بنزعة دينية وحضارية يصفها البعض بأنها أقرب إلى خطاب "الحملات الصليبية"، إضافة إلى اتهامات له بالتقليل من الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بالحرب.
وتتقاطع تقارير صحف عدة، منها ليبراسيون وليكسبريس الفرنسيتان ونيويورك تايمز الأمريكية وغارديان البريطانية على تصوير هيغسيث كشخصية تمزج بين الخطاب العسكري الحاد ورؤية أيديولوجية تعتبر الصراع مع إيران جزءا من مواجهة حضارية أوسع.
كتب هيغسيث أن مَن يستفيدون من الحضارة الغربية ينبغي أن يشكروا الصليبيين، مضيفا أن الزمن الحالي يشبه زمن الحروب الصليبية
وتشير هذه الصحف إلى أن الوزير الأمريكي يستخدم لغة قتالية مباشرة وغير مألوفة في الخطاب الرسمي للبنتاغون، حيث تحدث عن الحرب بعبارات مثل: "الموت والدمار سيأتيان من السماء طوال اليوم"، كما يبرز في هذه التغطيات حضور رموز دينية مرتبطة بالحروب الصليبية في شخصية هيغسيث، مثل وشم "صليب القدس".
وترى الصحف أن تلك الرموز ليست مجرد تفاصيل شخصية، بل تعكس رؤية أوسع للصراع، ففي كتابه "الحملة الصليبية الأمريكية"، كتب هيغسيث أن مَن يستفيدون من الحضارة الغربية ينبغي أن يشكروا الصليبيين، مضيفا أن الزمن الحالي يشبه زمن الحروب الصليبية.
كما تتفق التغطيات على أن خطاب هذا الوزير الأمريكي يميل إلى التقليل من أهمية الاعتبارات الأخلاقية التقليدية في الحروب، فقد دعا إلى التركيز على "أقصى درجات الفتك" والابتعاد عن الركون "لاعتبارات قانونية فاترة"، وهو ما يجعل البعض يتهم هيغسيث بأنه يتبنى خطابا يختزل الحرب في فكرة الانتقام أو القوة المجردة.
إعلانوتحت عنوان: "صليبي من العصر الحديث أصبح وجه الحرب على إيران" يركز مقال الصحفي فريديريك أوتان في صحيفة ليبراسيون الفرنسية على الجانب الإعلامي في شخصية هيغسيث، مشيرا إلى أنه حوّل مؤتمرات البنتاغون الصحفية إلى استعراض لغوي يبرز التفوق العسكري الأمريكي.
تحذر المؤرخة ديانا باتلرباس من أن فكر هيغسيت مرتبط بتيارات مسيحية قومية تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية دينية محافظة للغاية
ويرى الكاتب أن لغة الوزير تقوم على تمجيد القوة العسكرية وتقديم الحرب كعرض إعلامي يركز على فكرة "الانتصار المطلق".
ويحذر باحثون استشهد بهم المقال من أن هذا الخطاب يمزج بين القومية والدين، مما قد يحوّل الصراع إلى مواجهة حضارية بين الغرب والعالم الإسلامي.
فالباحث في الاتصال السياسي كاسي ريان كيلي يرى أن تكرار مفردات مثل "الموت" و"التدمير" و"الهيمنة" يقدم العنف بوصفه "عملا بطوليا منفصلا عن واقع الحرب".
كما تحذر المؤرخة ديانا باتلرباس من أن فكر هذا الرجل مرتبط بتيارات مسيحية قومية تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية دينية محافظة للغاية، وفي السياق نفسه يرى الباحث في جامعة جورج تاون ماثيو تايلور أن اهتمام هيغسيث بالحرب على إيران يرتبط بـ"عداء عام للمسلمين وبانبهار بالحروب الصليبية كنموذج لتفوق الغرب".
أما الصحفية شارلوت لالان في مجلة ليكسبريس الفرنسية فتذهب أبعد من ذلك، إذ تصف هيغسيث في عنوان مقالها بأنه "متعصب للحروب الصليبية يرى أن إيران ليست سوى الخطوة الأولى" في ذلك.
وتبرز أن وزير الحرب الأمريكي إنما يعتبر ما يقوم به نوعا من الانتقام، وهنا تعرض الكاتبة حادثة تعود إلى عام 2021 عندما مُنع من المشاركة في مراسم تنصيب الرئيس السابق جو بايدن بسبب وشم يحمل عبارة "الرب يريد ذلك" (Deus Vult)، وهو الشعار الذي استخدمه الصليبيون في القرن الحادي عشر وأصبح لاحقا شعارا متداولا لدى بعض أوساط أقصى اليمين.
وترى الكاتبة أن هذه الرمزية تعكس تصورا للصراع بوصفه مواجهة دينية، خصوصا عندما قال خلال الحرب إن "الموت والدمار سيأتيان من السماء من الصباح إلى المساء"، قبل أن يضيف: "لتغمر العناية الإلهية قواتنا وتحميها".
وتنقل لالان ما كتبه هيغسيث في كتابه الحروب الصليبية الأمريكية بالحرف: "كما فعل الصليبيون المسيحيون الذين صدّوا الجحافل المسلمة في القرن الثاني عشر، سيتعين على الصليبيين الأمريكيين إظهار الشجاعة نفسها في مواجهة الإسلاميين".
هيغسيث: كما فعل الصليبيون المسيحيون الذين صدّوا جحافل المسلمين في القرن الثاني عشر، سيتعين على الصليبيين الأمريكيين إظهار الشجاعة نفسها في مواجهة الإسلاميين
من جهتها، ترصد الصحيفة الأمريكية نيويورك تايمز في مقال للصحفي غرغ جاف تطور رؤية هيغسيث للحرب، وتشير إلى أنه في بداياته العسكرية رأى القتال في العراق واجبا أخلاقيا، لكنه بات لاحقا يرى أن التركيز على القيم الإنسانية يضعف الجيش.
وتجلّى هذا التحول بوضوح في الحرب الجارية ضد إيران والتي أُطلق عليها "عملية الغضب الملحمي"، وهو اسم اختير ليعكس -بحسب المقال- فكرة الانتقام والغضب، فبدلا من الحديث التقليدي عن العدالة أو التحرير، يستخدم هيغسيث خطابا مباشرا يقوم على القوة المطلقة.
إعلانويشير المقال إلى أن الوزير بات يعتبر أن مهمة الجيش الأساسية هي "قتل العدو ومعاقبته"، وليس نشر الديمقراطية أو حماية المدنيين، وهو تحول يراه بعض المحللين خطيرا لأنه يفصل الحرب عن أي إطار أخلاقي واضح.
هذه الخطورة كانت بيت القصيد في تقرير بصحيفة غارديان للكاتب ديفيد سميث، نقل فيه انتقادات حادة لهيغسيث من سياسيين وباحثين، لافتا إلى أن مسؤولة في منظمة قدامى المحاربين جانيسا غولدبيك وصفت هذا الوزير بأنه "شخص خطير للغاية"، معتبرة أن الجمع بين القومية المسيحية والسلطة العسكرية الأمريكية يمنحه قدرة على "نشر الدمار حيثما يشاء".
كما يحذر الباحث روبرت بي جونز من أن خطاب هذا الوزير لا يمجد العنف فقط، بل "يمجده باسم المسيحية والحضارة"، مما قد يحوّل الصراع السياسي إلى حرب دينية.
وفي السياق نفسه، يحذر مقال رأي في صحيفة ذا هيل للكاتب والمحارب السابق جوس جوزيف من مخاطر تصوير الحرب ضد إيران كحرب دينية، ويشير إلى أن بعض الجنود تلقوا رسائل تربط الحرب بنبوءات دينية حول "نهاية العالم"، وهو ما دفع منظمة مؤسسة الحرية الدينية العسكرية إلى القول إنها تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود بسبب هذا الخطاب.
ويرى الكاتب أن تحويل الصراع إلى مواجهة دينية بين "أمة مسيحية" ودولة مسلمة قد يؤدي إلى تصعيد خطير ويطيل أمد الحروب في الشرق الأوسط.
ورغم اختلاف زوايا التناول، تتفق هذه الصحف على أن شخصية بيت هيغسيث تمثل تحولا لافتا في الخطاب العسكري الأمريكي.
فبينما يرى أنصاره أنه يعيد التركيز على القوة والردع، يرى منتقدوه أن لغته التي تمزج بين الرموز الدينية وتمجيد القوة العسكرية قد تدفع نحو رؤية للحرب أقرب إلى صراع حضاري أو حرب مقدسة، وهو تصور يثير قلقا واسعا في ظل حرب مفتوحة في الشرق الأوسط.
aljazeera.net