سنن النهوض «3»
النخبة المسؤولة: من الامتياز إلى التكليف
ميرغني الحبر/ المحامي
إذا كان الوعي بالخلل هو الشرارة الأولى في طريق النهوض، وإذا كان إحياء الضمير العام هو الضامن الأخلاقي لاستقامة المجتمع، فإن السنة الثالثة لا تقل أهمية: إصلاح موقع النخبة ودورها.
فكل مجتمع، عبر التاريخ، عرف نخبته؛
نخبة سياسية تدير الشأن العام،
ونخبة فكرية تصوغ الرؤى،
ونخبة اقتصادية تقود النشاط الإنتاجي،
ونخبة علمية تصنع المعرفة.
وجود النخبة في ذاته ليس خللاً في البناء الاجتماعي، بل ضرورة تفرضها طبيعة التنظيم البشري. غير أن الأزمة تبدأ حين تتحول مواقع القيادة من مسؤولية عامة إلى امتياز خاص.
حينها تتسع المسافة بين النخبة والمجتمع، ويتولد شعور بأن السلطة لم تعد تكليفاً لخدمة الصالح العام، بل أداة لحماية النفوذ أو تعزيز المصالح.
التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تنهض بمجرد تغيير الوجوه، بل بتغيير طبيعة العلاقة بين القيادة والمسؤولية. فالموقع القيادي في لحظات النهوض يتحول من فرصة للامتياز إلى عبء أخلاقي؛ لأن المجتمع ينتظر من قادته أن يكونوا أول الملتزمين بالقيم التي يدعون إليها.
ولهذا كانت القدوة عنصراً مركزياً في استعادة الثقة.
فالناس قد تقبل التفاوت في المواقع، لكنها لا تقبل التفاوت في المعايير. فإذا طُلب منها الالتزام بالقانون بينما يُعفى منه أصحاب النفوذ، أو دُعيت إلى التقشف بينما تُمارَس الامتيازات في دوائر مغلقة، فإن الثقة تبدأ في التآكل بصمت.
النخبة لا تفقد شرعيتها لأنها نخبة، بل لأنها تفقد قدرتها على أن تكون مثالاً.
فالشرعية في جوهرها ليست مجرد صفة قانونية، بل قبول أخلاقي يتجدد كلما رأت المجتمعات أن القيادة تمارس ما تدعو إليه.
ومن هنا يصبح إصلاح النخبة جزءاً أساسياً من مشروع النهوض.
وهذا الإصلاح لا يتحقق بالشعارات، بل بآليات واضحة؛ أهمها الشفافية، والمساءلة، وتجديد النخب عبر تداول المسؤولية وفتح المجال للكفاءة.
فعندما يشعر المجتمع أن الطريق إلى القيادة مفتوح أمام الجدارة لا محصور في شبكات النفوذ، تتجدد الحيوية في الحياة العامة، ويتحول الطموح الفردي إلى طاقة إيجابية تخدم الصالح العام.
إن النخبة في لحظات النهوض لا تنعزل عن المجتمع، بل تقترب منه.
لا تحتمي بالسلطة، بل تحتكم إلى القانون.
ولا تطلب الامتياز، بل تقبل المساءلة.
وعندها فقط تتحول القيادة إلى قوة دفع حقيقية في مسار الإصلاح.
فبعد الوعي بالخلل، وإحياء الضمير العام، يأتي إصلاح القيادة التي تحمل عبء التغيير وتمنحه المصداقية.
وفي المقال القادم من سلسلة «سنن النهوض» ننتقل إلى ركيزة أخرى من ركائز البناء الحضاري:
كيف تصنع المؤسسات الاستقرار، ولماذا تحتاج المجتمعات إلى أن تكون القواعد أقوى من الأشخاص؟.
سنن النهوض «2».. إحياء الضمير العام: حين تصبح القيم قوة اجتماعية
altaghyeer.info