
بات التلويح بعبارة "الحرب العالمية الثالثة" لازمة متكررة في السجالات السياسية والإعلامية، من حرب إيران وتداعياتها في الشرق الأوسط إلى الحرب الروسية أوكرانيا، رغم أن أيا من هذين النزاعين لا يرقى إلى مستوى حرب عالمية، كما يلاحظ الباحث يو إنغه بيكيفولد.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي، يشدد الكاتب على أن التمييز بين أنواع الحروب ليس ترفا أكاديميا، بل شرط لفهم أكثر اتزانا للفوضى الدولية، واتخاذ قرارات سياسية أكثر رصانة.
فالحرب العالمية، في تعريفه، لا تقوم إلا باجتماع 4 عناصر: انخراط معظم القوى الكبرى في مواجهة مباشرة، وامتداد العمليات العسكرية عبر قارتين أو أكثر، وتحوّل الصراع إلى حرب شاملة تعبّئ فيها الدول قدراتها الأساسية، فضلا عن إفضائه إلى تغيير بنيوي في ميزان القوى وفي بنية النظام الدولي.
وانطلاقا من هذه المعايير، يرى بيكيفولد أن الحربين العالميتين الأولى والثانية تمثلان النموذج الأوضح لهذا النوع من الصراعات، في حين يبقى عدد الحروب التي يمكن وصفها بـ"العالمية" عبر التاريخ محدودا للغاية.
فحتى الحرب الباردة، رغم اتساعها الجغرافي، لم تتحول إلى حرب عالمية بالمعنى الدقيق، لأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لم يدخلا في مواجهة عسكرية مباشرة، وفق ما يذكر الكاتب.
وفي هذا السياق، يرى بيكيفولد أن الحرب الروسية الأوكرانية، رغم كلفتها العالية وأثرها الكبير في أمن أوروبا والاقتصاد العالمي، لا تزال حربا إقليمية. فالمعارك محصورة في الجبهة الأوكرانية الروسية، ولا توجد مواجهة مباشرة بين القوتين الأهم في النظام الدولي الحالي، أي الولايات المتحدة والصين.
وعليه، يرى أن نتائج هذه الحرب، مهما كانت خطيرة، لا ترقى إلى إحداث تغيير بنيوي في النظام العالمي.
إعلانويطبق الكاتب المنطق نفسه على الحرب الجارية في إيران والشرق الأوسط، إذ يرى أنها تظل نزاعا إقليميا، رغم الانخراط الأمريكي، واضطراب أسواق الطاقة، وتعطل الطيران الدولي، واتساع دائرة الدول المتأثرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
فكل ذلك، في رأيه، لا يكفي وحده لتحويل الأزمة إلى حرب عالمية، ما دامت لا تشمل صداما مباشرا بين القوى الكبرى على نطاق عابر للقارات.
ويضيف أن النزاع في الشرق الأوسط لا يرتبط عضويا بحرب أوكرانيا، رغم ما يتردد عن تعاون روسي إيراني في بعض المجالات. أما الصين، فعلى الرغم من قربها من إيران واعتمادها على نفط المنطقة، فإنها ليست لاعبا مرشحا للدخول العسكري في الحرب، لا من حيث المصلحة ولا من حيث القدرة العسكرية.
ورغم شيوع مصطلح "الحرب العالمية الثالثة" في الأسابيع الأخيرة على ألسنة السياسيين وفي التغطيات الإعلامية، يقول بيكيفولد إن السيناريو الأكثر ترجيحا لمواجهة كبرى بين القوتين العظميين اليوم يظل مرتبطا بتايوان، لا بإيران ولا بأوكرانيا.
وحتى في تلك الحالة، فإنه لا يستبعد أن يبقى ذلك الصراع، إن وقع، محدودا، إذا جرى احتواؤه من دون العتبة النووية، وانحصر ميدانيا ضمن نطاق جغرافي بعينه في غرب المحيط الهادي.
لكنه يحذر، في الوقت نفسه، من أن مجرد التفكير في حرب محدودة بين واشنطن وبكين ينطوي على خطر تصعيد أوسع، قد يستدرج أطرافا أوروبية، ويفتح المجال أمام روسيا لاختبار خصومها في أوروبا.
الكاتب: الحرب العالمية الحقيقية كارثة تتجاوز حدود ما يمكن تصوره
ويؤكد بيكيفولد، في ختام تحليله، أن الحروب الإقليمية والمحدودة في عالم اليوم قد تخلّف آثارا اقتصادية وتكنولوجية وسياسية عابرة للحدود، لكن ذلك لا يبرر التسرع في وصف كل نزاع بأنه حرب عالمية.
أما الحرب العالمية الحقيقية، فتبقى -برأيه- كارثة تتجاوز حدود ما يمكن تصوره، وهو ما يفرض قدرا أكبر من الانضباط في اللغة، وتجنب الاستسهال في استدعاء المقارنات القصوى كلما اشتعل نزاع جديد، فالانزلاق إلى التهويل البلاغي لا يقل خطرا عن سوء التقدير السياسي.
aljazeera.net