التوقيت ليس بريئاً … تصنيف الحركة الإسلامية في السودان منظمة إرهابية
رويدا مطر
إعلان الولايات المتحدة الامريكية تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً قراراً طال انتظاره بعد عقود من التجربة القاسية مع حكمها. فقد عانى السودانيون تحت سلطته السياسية والامنية الأمريين من سياسات الإقصاء والاستقطاب التي عمّقت الانقسامات داخل المجتمع السوداني، وتدمير للحياة السياسية عبر تفكيك الأحزاب وإضعاف مؤسسات الدولة، وقمع الحريات العامة، وتضيّق على الصحافة والمجتمع المدني وازلال النساء، فضلا علي سوء ادارة اقتصاد البلاد. أما خارجياً، فقد قادت سياسات الحركة الإسلامية إلى عزل السودان دولياً وإدخاله في صراعات ومحاور إقليمية معقدة، حيث ارتبط اسم السودان برعاية واستضافة جماعات متطرفة وتوفير ملاذات لشبكات إرهابية، الأمر الذي أدخل السودان في عزلة سياسية واقتصادية خانقة استمرت لسنوات طويلة. هذه السياسات لم تكتفِ بإضعاف الدولة السودانية، بل جعلت البلاد تدفع ثمناً باهظاً في علاقاتها الدولية وفي استقرارها الداخلي.
ومع ذلك، فإن قراءة هذا القرار بوصفه مواصلة لجهود الولايات المتحدة الامريكية في انهاء الحرب في السودان فقط تبدو قراءة ناقصة. فأمريكا، كما هو معروف في سياساتها الخارجية، لا تتعامل مع الملفات الإقليمية بمعزل عن السياق الاستراتيجي الأوسع. ومن الصعب فهم هذا القرار دون وضعه في إطار التحولات الجارية في الشرق الأوسط، خصوصاً مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة التمركز وترتيب التحالفات الإقليمية.
في هذا السياق، يبدو أن إدارة دونالد ترامب تسعى إلى إعادة تنظيم شبكة حلفائها في المنطقة بطريقة تخدم أولوياتها الأمنية والاستراتيجية. ومن هذه الزاوية، فإن السودان لا يُقرأ كحالة منفصلة، بل كجزء من المجال الجيوسياسي الممتد من القرن الأفريقي إلى الشرق الأوسط. في ظل هذه المعادلة، قد يبدو الحكم العسكري في السودان من منظور بعض الدوائر الغربية والإقليمية خياراً أكثر استقراراً من تجربة ديمقراطية هشة قد تتعثر سريعاً في بلد أنهكته الحرب والانقسامات. هذا الخط السياسي ليس غريباً على حلفاء امريكا الإقليميين، وعلى رأسهم الرئيس السيسي في مصر، الذي قدّم نموذجاً واضحاً لكيفية التعامل الصارم مع الحركات الإسلامية. فالقاهرة ترى في تحجيم الإسلام السياسي شرطاً أساسياً للاستقرار الإقليمي، وقد نجح النظام المصري إلى حد كبير في تقليص نفوذ الجماعة سياسياً وتنظيمياً واجتماعياً. هذا النموذج يبد في نظر بعض الفاعلين الدوليين، نموذجاً قابلاً للاستنساخ أو على الأقل للإلهام في سياقات أخرى، ومنها السودان.
لا يبدو توقيت الإعلان الأمريكي منفصلاً عن هذه الحسابات. فالولايات المتحدة تدرك أن السودان يقع في منطقة استراتيجية حساسة، تربط بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا. وفي حال تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أو اتسع نطاق المواجهة مع إيران، فإن ضمان استقرار هذه المنطقة أو على الأقل ضمان اصطفافها يصبح أولوية استراتيجية. ومن هذا المنظور، فإن تسريع خطوات ترتيب المشهد السياسي في السودان قد يكون جزءاً من عملية أوسع لتأمين المجال الإقليمي. ليس حباً في السودان ، بل لأن هذه الجغرافيا لا يمكن أن تبقى منطقة فراغ أو فوضى في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
في قلب هذه المعادلة يقف البرهان، الذي يبدو أنه يحاول التكيف مع التحولات الدولية والإقليمية الجارية. يمكن تصور سيناريوهين رئيسيين. السيناريو الأول يتمثل في أن يختار البرهان القطيعة الكاملة مع الحركة الإسلامية، والتبرؤ من نفوذها داخل مؤسسات الدولة، خاصة داخل القوات المسلحة. في هذه الحالة قد نشهد ما يشبه عملية تطهير سياسية ورمزية للمؤسسة العسكرية من الكيزان ومن يدور في فلكهم، بما يسمح بإعادة تقديم الجيش بوصفه مؤسسة وطنية مستقلة عن الإسلام السياسي. وفي هذا السيناريو، قد يُعاد رسم صورة البرهان باعتباره الرجل الذي أنقذ السودان من قبضة الإسلاميين، في رواية سياسية قد تشبه إلى حد ما الرواية التي رُوّجت في مصر بعد إطاحة حكم الإخوان. المفارقة هنا أن هذا الموقف قد يضعه، ولو مؤقتاً، في تقاطع سياسي مع قوى مدنية سودانية طالما طالبت بإبعاد الإسلاميين عن السلطة.
السيناريو الثاني يتمثل في أن تكون واشنطن قد قررت ان تري في الحكم العسكري حليفاً عملياً في معركتها الأوسع مع إيران. ففي حال تصاعد الصراع الإقليمي، يصبح من المهم ضمان ألا تتحول السودان إلى نقطة نفوذ للقوى المرتبطة بإيران، سواء عبر شبكات لوجستية أو عسكرية. في هذا الإطار، قد يُنظر إلى الجيش السوداني باعتباره قوة قادرة بالقوة الصلبة على تحجيم التيارات الإسلامية التي قد تشكل جسور تواصل مع إيران أو حلفائها.
في الواقع، لا يتعارض هذان الخطيين بقدر ما يكمل أحدهما الآخر، فكلاهما يقود إلى نتيجة واحدة، تقاطع مصالح محتمل بين واشنطن والقيادة العسكرية في السودان. فبالنسبة للولايات المتحدة، يعني ذلك تحجيم الإسلام السياسي وضمان اصطفاف السودان ضمن معسكر إقليمي واضح في لحظة توتر دولي متصاعد. أما بالنسبة للبرهان، فقد يعني ذلك فرصة لإعادة تثبيت موقعه السياسي داخلياً وخارجياً.
لهذا السبب، لا يمكن قراءة إعلان تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع. فهذه الخطوة تبدو جزءاً من عملية ترتيب أوراق جيوسياسية تتجاوز السودان نفسه، وتمتد إلى خريطة الصراع في الشرق الأوسط واحتمالات التصعيد القادمة. وفي هذا السياق أيضاً يمكن فهم الدعوات التي صدرت من بعض دول الجوار، والتي تشجع القيادة السودانية على اتخاذ إجراءات إضافية تؤكد القطيعة مع الحركة الإسلامية وتترجم هذا الإعلان إلى واقع سياسي وأمني جديد.
altaghyeer.info