سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

عقد الـ12 مليون دولار في مشروع الجزيرة: من المستفيد ولماذا غابت الشفافية

عقد الـ12 مليون دولار في مشروع الجزيرة: من المستفيد ولماذا غابت الشفافية؟

عمر سيد أحمد

في خضم حرب لم تضع أوزارها، نقلت الأنباء خبر توقيع محافظ مشروع الجزيرة عقداً بـ12 مليون دولار مع شركة القمة للتنمية الزراعية التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية، لزراعة القطن على مساحة 20 ألف فدان من أراضي المشروع.

لا شيء يفيد بأن مناقصة أُعلنت. لم يُستشَر مزارع واحد. فقط لقاء بين مسؤولين، وتصافح أيدٍ، وتوقيع على ورقة تُسلِّم جزءاً من أرض الجزيرة إلى شركة مجهولة — في أضعف لحظة مرّ بها المشروع منذ تأسيسه عام 1925.

شركة القمة للتنمية الزراعية لا سجل تشغيلي متاح للعموم، لا إفصاح عن ملكيتها، لا تاريخ موثق في المشاريع الزراعية يمكن التحقق منه. ما يُعرف فقط أنها تنتمي إلى منظومة الصناعات الدفاعية — المنظومة التي حذّر العميد الدكتور محمد عمر فضل الله من أنها تعمل بعيداً عن أي رقابة، وأن التنظيم الإسلاموي يحرّك خيوطها. اليوم، هذه المنظومة تزرع أرض السودان. بأموال السودان. دون استشارة علنية معلنة.

لكن خلف هذا الإطار الأنيق سؤال لم يُطرح في أي بيان: من هي شركة القمة للتنمية الزراعية حقاً؟

تُعرّف شركة القمة نفسها رسمياً بوصفها تابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية. وهنا يبدأ الغموض. فهذه المنظومة ليست مؤسسة شفافة بأي معيار: لا تُنشر ميزانياتها، ولا تُكشف هياكل ملكيتها، ولا تخضع لرقابة مستقلة مُعلنة.

والأخطر مما سبق ما كشفه العميد الدكتور محمد عمر فضل الله في حواره مع منصة سودان بودكاست 360: أن كلاً من منظومة التصنيع الحربي ومنظومة الصناعات الدفاعية تخضعان لهيمنة التنظيم الإسلاموي، وأنهما تعملان بوصفهما أدوات اقتصادية لخدمة مشروع التنظيم السياسي بعيداً عن الرقابة المؤسسية للدولة. ليست هذه اتهاماً عابراً من منتقد سياسي؛ إنها شهادة ضابط يعرف بنية هذه المؤسسات من الداخل.

وشركة القمة للتنمية الزراعية، التي وقّعت على عقد بـ12 مليون دولار للاستثمار في  مشروع الجزيرة، تُعرّف نفسها رسمياً بوصفها تابعة لإحدى هاتين المنظومتين.

لا سجل تشغيلي متاح للعموم للشركة في المشاريع الزراعية. لا إفصاح عن هياكل ملكيتها الحقيقية. لا آليات معلنة لكيفية توزيع العائدات على المزارعين الذين تُزرع أراضيهم. فقط توقيع، وأرقام، وصمت.

مشروع الجزيرة في زمن الحرب

مشروع الجزيرة ليس مجرد رقعة زراعية. هو صرح وطني أُسّس عام 1925، وكان يُغطي نحو 20% من الإنتاج الزراعي السوداني، ويُصدّر القطن إلى العالم، ويُطعم الأسرة السودانية. منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، نزح مزارعوه، تدمّرت بنيته التحتية، وتوقفالإنتاج في مساحات شاسعة الإنتاج .

المزارع السودانيالذي يحلم بالعودة إلى أرضه لا يعلم أن عقداً بـ12 مليون دولار يخصّ أرضه قد وُقِّع باسمه ودون استشارته، مع جهة لا يعرفها ولا يعرف من يقف خلفها.

العقد في زمن الحرب: توقيت لا يمكن تجاهله

ثمة سؤال لا يُطرح بما يكفي: لماذا الآن؟ لماذا تُبرَم عقود بهذا الحجم في خضم حرب لم تضع أوزارها؟ لماذا لم تنتظر إدارة المشروع انتهاء الحرب، واستقرار الأوضاع، وعودة المزارعين إلى أراضيهم، قبل توقيع شراكات تعاقدية بعشرات الملايين من الدولارات؟

الإجابة المنطقية أن الحرب ذاتها هي الفرصة. فحين تتوقف الرقابة، وتنشغل الدولة بالبقاء، وتغيب المعارضة في النزوح والتشرد، تصبح العقود الكبرى أسهل توقيعاً وأقل مساءلةً. الحرب ليست عائقاً أمام هذا النوع من الصفقات؛ هي غطاؤها.

والأخطر اقتصادياً أن مشروع الجزيرة يمر اليوم بأضعف لحظاته التفاوضية في تاريخه: بنيته التحتية مدمّرة تحتاج إلى إصلاح، مزارعوه نازحون يحتاجون إلى من يزرع أراضيهم، وإدارته تحتاج إلى تمويل لإعادة التشغيل. هذا الضعف البنيوي يجعل أي متعاقد يحمل الأموال في وضع تفاوضي قوي للغاية — وهو بالضبط ما تستغله الجهات ذات الارتباطات المشبوهة.

بمعنى أوضح: الشركة التي تأتي بـ12 مليون دولار في لحظة يحتاج فيها المشروع إلى التمويل تملك من القوة ما لا تملكه الشركة ذاتها في أوقات الاستقرار. وما لا يُقال في البيانات الرسمية هو أن هذه القوة التفاوضية تُترجَم إلى شروط وامتيازات قد لا تظهر على سطح العقد المُعلَن.

والمفارقة المؤلمة أن المزارع السوداني النازح — الذي هو صاحب الأرض الأصلي والمستهدف الأول بأي خطة إنعاش — غائب تماماً عن هذه المعادلة. لا أحد سأله، لا أحد استشاره، ولا أحد أخبره بأن أرضه ستُزرع هذا الموسم بموجب عقد لم يره ولم يوقّع عليه. الجمعيات القاعدية في الحوش والوسط التي أُشير إلى عزم الشركة عقد لقاءات معها جاءت في نهاية القائمة — بعد أن وُقِّع العقد.

الزراعة بحاجة إلى إنعاش، هذا صحيح. لكن إنعاش الزراعة لا يعني تسليم مفاتيح الأرض السودانية، في أضعف لحظاتها، لمن لا نعرف هويتهم الحقيقية. وما يجري ليس استثناءً طارئاً؛ إنه نمط متكرر: في كل مرحلة تضعف فيها الدولة، تتمدد جهات بعينها لتملأ الفراغ.

الأزمة الحقيقية: غياب السؤال

الأكثر إثارةً للقلق هو ما لم يحدث: لا رقابة برلمانية قبل التوقيع، لا تدقيق مستقل في هوية المتعاقد، لا معايير معلنة لاختيار هذه الشركة دون غيرها. صفقات تُبرَم، أموال تتحرك، وأراضٍ تُسلَّم — دون أن يسأل أحد السؤال الأبسط: لماذا هذه الشركة بالذات؟

والذرائع جاهزة دائماً: ضرورة الإنتاج، احتياجات التمويل، الشراكات التعاقدية. لكن خلف هذه اللغة الإدارية الرصينة تبقى أسئلة مشروعة وعاجلة: من فوّض إدارة مشروع الجزيرة صلاحية إبرام عقود بهذا الحجم في ظل الحرب؟ هل خضعت شركة القمة لأي تدقيق في ملكيتها الحقيقية وهياكلها المالية قبل التوقيع؟ وما الضمانات التي تكفل وصول العائد إلى المزارعين لا إلى جهات أخرى؟

الصمت الرسمي المُطبق لا يُشير إلى غياب الإجابة. يُشير إلى غياب الرغبة في الإجابة. وهذا أخطر.

السودان يحترق، والناس مشغولة بإطفاء الحرائق الكبرى. لكن كل دولار يضيع من مشروع الجزيرة اليوم هو خبز مسروق من فم مزارع يحلم بالعودة إلى أرضه. والسؤال الذي لا يحتمل الانتظار: هل وُضعت هذه الأمانة الوطنية في يد أمينة

المصادر:

– تصريحات رسمية لإدارة مشروع الجزيرة — مارس 2026

– شهادة العميد د. محمد عمر فضل الله — سودان بودكاست 360

“منظومة التصنيع الحربي ومنظومة الصناعات الدفاعية تخضعان لهيمنة التنظيم الإسلاموي وتعملان أدوات اقتصادية لخدمة مشروعه بعيداً عن رقابة الدولة  العميد د. محمد عمر فضل الله — سودان بودكاست ٣٦٠

Email:[email protected]

مارس 2026

altaghyeer.info