خطوة أميركية تُشعر بالارتياح
فاطمة غزالي
توقيع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمةً إرهابية أجنبية يمثل تطورًا مهمًا في مسار التعامل الدولي مع الجماعة وشبكاتها المرتبطة بالحرب الدائرة في البلاد. فالقرار لا يعكس موقفًا سياسيًا فحسب، بل يشير إلى تحوّل قوي في إدارة الرئيس لأمريكي دونالد ترامب نحو تشديد الضغوط على التنظيمات التي ترى أنها تسهم في زعزعة الاستقرار في السودان وعليه أودعت الخارجية الاميركية القرار في السجل الفيدرالي الأميركي تمهيدًا لدخوله حيّز التنفيذ غدا الإثنين السادس عشر من مارس، مستندةً إلى أساس قانوني يتمثل في تطبيق المادة 219 من قانون الهجرة وًالجنسية وهذا المادة تمنح الحكومة الأميركية صلاحية تصنيف الكيانات المتورطة في أنشطة تهدد الأمن أو تدعم الإرهاب ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
بهذا القرار تبعث واشنطن برسالة واضحة مفادها أن مرحلة التساهل مع شبكات الجماعة ونشاطاتها قد انتهت، وأن المجتمع الدولي يتجه نحو تضييق الخناق على التنظيمات التي يشتبه في دورها في تأجيج الصراع في السودان أو تمويله.
لا جدال في أن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان جماعةً إرهابيةً من قبل الخارجية الأميركية خطوةٌ لاقت عبارات الرضا والارتياح والفرح في تعليقات أغلب السودانيين على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وعكست الرفض الشعبي لسياسات الإخوان المسلمين التي دمّرت السودان منذ انقلاب يونيو 1989م وحتى يومنا هذا.
لقد عاش السودان أكثر من ثلاثة عقود من الفساد السياسي والإداري والاقتصادي، ومن القبضة الأمنية والعسكرية التي تسببت في النزاعات والحروب التي لا تزال مستمرة حتى الآن. وكان الفساد وإساءة استخدام السلطة والطغيان من العوامل الأساسية التي أدت إلى قيام ثورة ديسمبر المجيدة، تلك الثورة الشعبية التي أسقطت نظام الإخوان المسلمين.
ولا شك أن تصنيفهم يسهم في مراقبة شبكاتها وأجندتها المرتبطة بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، ويمنع انتقال الأموال أو الأفراد المرتبطين بها، كما يضيّق المجال أمام الجماعات المتشددة وتيارات الإسلام السياسي، مما يضعف قدرتها على العمل السياسي أو العسكري. كما يمهّد ذلك لإخراج عناصرها من مؤسسة الجيش التي تسيطر عليها تيارات إسلامية داخل مؤسسات حكومة بورتسودان، توطئةً لتسوية سياسية تنهي الصراع في السودان، وتدعم جهود مكافحة التطرف. كذلك تعد هذه الخطوة عاملاً مساعدًا في تحسين العلاقات مع بعض الدول الإقليمية والغربية التي تسعى إلى الحد من نفوذ جماعة الإخوان المسلمين وإغلاق منافذ التطرف.
إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كجماعة إرهابية يفتح المجال أمام القوى السياسية الديمقراطية لبناء دولة ديمقراطية تحقق السلام والحرية والعدالة والمساواة، وتغادر محطة النزاعات والحروب الناتجة عن المظالم التاريخية. ولا شك أن القرارات الأمريكية ضد هذه الجماعة الطاغية أنزلت السكينة على الأرواح التي أُزهقت ظلمًا في كل بقاع السودان، في أزمنة السلم والحرب. كما أن تصنيفها كمنظمة إرهابية يغلق منافذ الدعم المالي والتنظيمي للجماعة عبر تجميد أصولها المالية، ويمنع تمويلها أو التعاون معها دوليًا، ويجعل دعمها جريمة قانونية، وهو ما قد يمثل بداية النهاية لنفوذ التيارات المرتبطة بالإخوان المسلمين داخل الدولة السودانية العميقة التي ما زالت تحرك أدوات الحرب التي اشتعلت في عام 15 أبريل 2023.
ولا جدال في أن تجربة حكم الإخوان المسلمين تُعد من أسوأ فترات الحكم في السودان منذ استقلاله عن الحكم الأجنبي عام 1956. فقد اتخذت الجماعة من القسوة والظلم والإقصاء أدوات لمحاربة المعارضين، ووصل الأمر إلى القتل والاختفاء القسري والتعذيب والفصل من الخدمة المدنية والعسكرية. كما فرضت قيودًا صارمة على النساء، وصاغت قوانين مقيدة لحريتهن مثل قانون النظام العام، الذي أثّر في حياتهن اليومية، خاصة الفقيرات والناشطات حقوقيًا وسياسيًا. إضافةً إلى ذلك، فُرضت قيود اجتماعية وقانونية على الزي والسلوك في الأماكن العامة، وتسببت هذه القوانين في انتهاك كرامة النساء، إلى جانب ممارسة سياسات التمييز ضدهن. ومن ثم فإن هذه القرارات الأمريكية قد تمثل خطوة تمنح المرأة مساحة أكبر للحرية والمشاركة في العمل العام بعيدًا عن التسلط الديني المتطرف. وتبدو الفرحة واضحة في وجوه النساء اللواتي تجرّعن كأس الأذى من سياسات الإخوان المسلمين التي صادرت حقوقهن بسلطة القانون، مثل قانون النظام العام وقانون الأسرة والقانون الجنائي. وتعكس هذه الفرحة رفضهن للنفوذ السياسي الطويل للجماعة التي قهرت النساء في السودان وشيطنت سلوكهن.
تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمةً إرهابية قد أحيت الأمل في نهاية طغيان هذه الجماعة، التي اتخذت من الجبروت سلاحاً ورمت السودانيين في هاوية الأزمات الاقتصادية الكبيرة، وقضت على الطبقة الوسطى في السودان، وخلقت ما يُعرف بالرأسمالية الطفيلية. كما فتحت أبواب مؤسسات الدولة للموالين لها، وفضّلت أنصارها في الوظائف والسلطة، وفشلت في التعامل مع الحركات المطلبية التي اتخذت من الكفاح المسلح وسيلةً لطرح المظالم التاريخية في السودان.
أما في ما يتعلق بالحروب والنزاعات الداخلية، فقد ساهمت سياسات الإخوان المسلمين في توسيع دائرة الحروب في السودان، إذ خلقت سردية دينية للحرب في جنوب السودان باعتبارها صراعًا بين جنوب مسيحي وشمال مسلم. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شهدت دارفور جرائم إبادة جماعية بذريعة محاربة حركات الكفاح المسلح. كما أدت هذه السياسات إلى تصاعد النزعات الجهوية وتمزيق النسيج الاجتماعي عبر النزاعات القبلية، وفتح نوافذ التطرف في السودان واستقبال قادة الحركات المتطرفة من أنحاء العالم. كل هذه الأسباب وغيرها تفرض الاحتفاء بقرار تصنيف الإخوان المسلمين في السودان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية لأنه يمثل نوعًا من المحاسبة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تسهم في إضعافها وإنهاء تأثيرها، خاصة في ما يتعلق بالحرب التي اشعلتها في السودان وسعيها إلى إدخال البلاد في صراعات دولية لا ناقة للسودانيين فيها ولا جمل. إن إضعاف هذه الجماعة يعني طيّ صفحة تجربة حكم كانت أحد أبرز أسباب معاناة السودانيين. وإغلاق الباب أمام النفوذ الإيراني في السودان.
altaghyeer.info