
مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه أمام معضلة مركبة: جيش يستنزف مخزونه من الذخائر الذكية بتكلفة فاقت 11 مليار دولار في الأسبوع الأول، ومسار دبلوماسي تبخر مع مقتل أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني يوم 16 مارس/آذار الحالي، واقتصاد عالمي يترنح تحت وطأة إغلاق مضيق هرمز.
هذا الواقع تناولته 3 صحف أمريكية كبرى، هي نيويورك تايمز وبلومبيرغ وواشنطن بوست، لترسم صورة حرب تزداد عنفا ولا تقترب من نهايتها، بل تفتح أبوابا جديدة لمخاطر إستراتيجية واقتصادية وسياسية يصعب احتواؤها.
في مقاله بصحيفة نيويورك تايمز، قال كاتب عمود الرأي نيكولاس كريستوف إن الجدل الدائر في واشنطن حول إذا ما كانت الحرب مع إيران ستتحول إلى مستنقع يغفل جوهر القضية. فالحقيقة -برأيه- أن الرئيس ترمب وأمريكا غارقان في هذا المستنقع بالفعل.
ويرى كريستوف أن الخطأ لا يكمن فقط في قرار الانخراط في الحرب، بل في غياب إستراتيجية متماسكة تربط بين النجاحات العسكرية التكتيكية والهدف السياسي النهائي.
ويشرح أن الإدارة الأمريكية قد تجد نفسها أمام معضلة مركبة: فوقف القصف لا يعني إنهاء الحرب، إذ يمكن لإيران مواصلة الضغط عبر أدوات غير تقليدية، أبرزها تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
هذا الممر البحري الضيق، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، يمنح طهران قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي تتجاوز بكثير قدراتها العسكرية التقليدية.
ووفقا لكريستوف، فإن ترمب يملك خيار وقف القصف على إيران، غير أن طهران قد تستمر في إغلاق مضيق هرمز أمام حركة النفط، حتى في الوقت الذي تمر فيه ناقلاتها الخاصة دون عوائق.
إعلانوفي ظل هذا السيناريو، يؤكد الكاتب أن أسعار النفط ستواصل ارتفاعها الحاد، بينما ستشح الأسمدة والأدوية العامة والهيليوم وغيرها من المنتجات التي تعتمد في توريدها على المضيق، مما سيؤدي إلى خنق الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي على حد سواء.
ويشير المقال إلى أن القيادة الإيرانية، ممثلة في الرئيس مسعود بزشكيان، وضعت شروطا واضحة لإنهاء الحرب، تشمل الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، ودفع تعويضات، وتقديم ضمانات أمنية دولية.
ورغم اعتقاد كريستوف بأن هذه الشروط قد تكون قابلة للتفاوض، فإن المسؤولين الإيرانيين يصرون على استمرار الحرب حتى يطمئنوا لعدم تعرضهم لهجمات مستقبلية.
وقد صرح مسؤول عسكري إيراني رفيع المستوى بأن "نهاية الحرب بأيدينا"، مشيرا إلى أن ذلك لن يتحقق إلا برحيل القوات الأمريكية من الخليج.
وفي نظر كاتب المقال أن هذا المشهد لا يبشر بخير، معربا عن خشيته من أن يحاول ترمب تخليص نفسه عبر التصعيد، فقد أصدر أوامره لوحدة المشاة البحرية الــ31 بالانتقال إلى منطقة الشرق الأوسط قادمة من المحيطين الهندي والهادي.
إيران وضعت شروطا واضحة لإنهاء الحرب، تشمل الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، ودفع تعويضات، وتقديم ضمانات أمنية دولية.
ويوضح أن من الاستخدامات المحتملة لهؤلاء المشاة (المارينز)، والبالغ عددهم نحو 2500 جندي، هو الاستيلاء على جزيرة خارك التي تعد مركزا رئيسيا لصناعة النفط الإيرانية، أو السيطرة على جزر في مضيق هرمز لضمان حرية الملاحة.
غير أن هذه الخيارات، وإن بدت مغرية من منظور عسكري، تطرح أسئلة صعبة حول ما بعد السيطرة: هل ستتحول هذه العمليات إلى احتلال طويل الأمد؟ وكيف ستتعامل القوات الأمريكية مع حرب استنزاف محتملة تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية؟
ويحذر كريستوف من أن إيران قد ترد بتوسيع نطاق الصراع، سواء عبر استهداف منشآت الطاقة في الخليج، أو من خلال حلفائها في المنطقة، مثل الحوثيين في اليمن، الذين يمكنهم تعطيل الملاحة في البحر الأحمر. كما يشير إلى احتمال تصاعد الهجمات السيبرانية أو العمليات غير التقليدية، ما يفتح جبهات جديدة يصعب احتواؤها.
وفي تحليله، لا يقتصر الخطر على البعد العسكري، بل يمتد إلى الملف النووي، إذ يرى كريستوف أن الضربات الحالية قد تدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي بدل كبحه، في محاولة لامتلاك سلاح ردع فعلي يحميها من أي هجمات مستقبلية.
ويقارن هذا المسار بما حدث خلال حرب فيتنام، حين أدى التصعيد الأمريكي إلى تعميق المأزق بدل حله.
ويستحضر الكاتب أيضا دروسا تاريخية من العلاقة الأمريكية الإيرانية، لافتا إلى أن سياسات سابقة -مثل الاتفاقيات غير المتكافئة في ستينيات القرن الماضي أو الوجود العسكري في السعودية في التسعينيات- ساهمت في تأجيج ردود فعل معادية للولايات المتحدة، كان لها تداعيات طويلة الأمد. ومن هذا المنطلق، يحذر من أن تكرار الأخطاء نفسها قد يؤدي إلى نتائج مشابهة.
ويخلص كريستوف إلى أن الخيار "الأقل سوءاً" يتمثل في إعلان تحقيق أهداف الحرب، ثم الانتقال إلى مسار تفاوضي، حتى لو كان ذلك عبر ترتيبات غير مثالية تسمح لكل طرف بحفظ ماء الوجه. لكنه يعترف بأن هذا المسار يتطلب مهارة سياسية عالية، وقدرة على إقناع الحلفاء، وعلى رأسهم إسرائيل، بوقف العمليات العسكرية.
غير أن هذا المسار التفاوضي يبدو أكثر تعقيدا في ضوء ما تكشفه وكالة بلومبيرغ للأنباء. ففي تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني، ركزت الكاتبة غولنار موتيفالي، المتخصصة في الشأن الإيراني، على تداعيات اغتيال علي لاريجاني، أحد أبرز رجال الدولة في إيران، والذي كان يُنظر إليه كجسر محتمل بين طهران والعواصم الغربية.
إعلانوتوضح موتيفالي أن لاريجاني لم يكن مجرد مسؤول أمني، بل شخصية سياسية مخضرمة تمتلك شبكة علاقات واسعة داخل النظام الإيراني وخارجه، وقد لعب دورا محوريا في إدارة ملف المفاوضات النووية.
ومع تصاعد الحرب، برز لاريجاني كأحد القلائل القادرين على الجمع بين إدارة الصراع والانفتاح على الحلول الدبلوماسية. لكن مقتله قد يغيّر -وفق التقرير- موازين القوى داخل النظام الإيراني، إذ يترك الساحة لتيار أكثر تشددا وأقل استعدادا لتقديم تنازلات.
وتنقل موتيفالي عن محللين أن غياب لاريجاني قد يغلق ما تسميه أحد أهم "مخارج الطوارئ" الدبلوماسية، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى قنوات اتصال غير مباشرة. واستشهدت الكاتبة بما قالته الباحثة إيلي غيرانمايه من أن استهداف شخصيات يُنظر إليها كداعمة للحلول السياسية قد يعكس توجها نحو إطالة أمد الصراع بدل إنهائه.
وفي المقابل، يؤكد مسؤول إسرائيلي -في تصريح نقلته وكالة بلومبيرغ- أن الهدف هو إضعاف النظام الإيراني إلى حد إسقاطه، وليس فقط دفعه إلى التفاوض، ما يوضح الفجوة بين الرؤيتين.
ويضيف التقرير أن لاريجاني كان يتمتع بقدرة فريدة على التنقل بين العواصم والتواصل مع قوى دولية، بما في ذلك روسيا ودول الخليج، ما جعله حلقة وصل مهمة في لحظات الأزمات.
ومع غيابه، يُرجح أن يتعزز نفوذ شخصيات أكثر ارتباطا بالمؤسسة العسكرية، مثل محمد باقر قاليباف، المعروف بمواقفه المتشددة، بحسب تعبير موتيفالي.
كما يثير التقرير تساؤلات حول مستقبل الشخصيات الأكثر اعتدالا داخل النظام، مثل وزير الخارجية عباس عراقجي، أو شخصيات بارزة سابقة خارج الحكومة حاليا -مثل الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف– إذ قد تجد هذه الأطراف نفسها مهمشة في ظل تصاعد نفوذ التيار المتشدد.
وفي هذا السياق، يحذر علي واعظ -وهو من مجموعة الأزمات الدولية- من أن إيران قد تصبح "أكثر صلابة وأقل اتساقا إستراتيجيا وأكثر خطورة"، في إشارة إلى احتمال اتخاذ قرارات أكثر جموحا في غياب التوازنات الداخلية السابقة.
وبينما تتضاءل فرص الحل السياسي، تتكشف أبعاد الكلفة المتزايدة للحرب داخل الولايات المتحدة نفسها.
ففي تقرير أعدّه 3 من مراسليها، كشفت صحيفة واشنطن بوست أن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) طلبت تمويلا ضخما يتجاوز 200 مليار دولار لمواصلة الحرب ضد إيران.
ويُعد هذا الرقم -كما يفيد التقرير- مؤشرا على حجم التحدي الذي تواجهه الإدارة الأمريكية، إذ يتجاوز بكثير كلفة العمليات العسكرية حتى الآن، ويعكس الحاجة إلى إعادة بناء مخزونات الأسلحة والذخائر التي استُنزفت بسرعة خلال الأسابيع الأولى من الحرب.
كما تلفت واشنطن بوست إلى أن الحرب بدأت تُظهر آثارها المالية بسرعة لافتة، إذ تجاوزت تكلفتها 11 مليار دولار في أسبوعها الأول فقط. ومع استمرار العمليات، يُتوقع أن تتصاعد هذه الكلفة بشكل كبير، مما يزيد من الضغط على الإدارة الأمريكية لتبرير استمرارها.
ويبرز التقرير أيضا تحديات تتعلق بالصناعات الدفاعية، فربما لا يكون من الممكن زيادة الإنتاج العسكري بالسرعة المطلوبة، حتى مع توفر التمويل، بسبب قيود تتعلق بالعمالة والبنية التحتية وسلاسل الإمداد. وهذا يعني أن الحرب قد تواجه قيودا لوجستية، إلى جانب التحديات السياسية والاقتصادية، وفق التقرير.
ويرى خبراء -نقلت عنهم واشنطن بوست- أن معركة التمويل قد تتحول إلى اختبار حاسم لشعبية الحرب، إذ يمكن أن يستخدمها المعارضون كوسيلة للضغط على الإدارة أو حتى لإجبارها على إعادة النظر في إستراتيجيتها.
إعلانويقود هذه الجهود نائب وزير الدفاع ستيفن فينبرغ، الذي يحاول "صعق" قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكي المتباطئ لزيادة الإنتاج، على حد تعبير الصحيفة. لكن الأزمة ليست في المال وحده، بل في "القدرة". فخبراء الميزانية يؤكدون أن ضخ المليارات في قطاع يعاني من نقص العمالة والمواد الخام لن يعطي نتائج فورية.
وفي الوقت نفسه، يواجه ترمب معارضة شرسة في الكونغرس؛ فالديمقراطيون يتهمونه بتبديد أموال دافعي الضرائب في "مغامرة فاشلة"، بينما يجد مؤيدوه من الجمهوريين أنفسهم في موقف محرج أمام ناخبيهم الذين قطعوا لهم وعودا بتطبيق شعار "أمريكا أولا" والابتعاد عن حروب الشرق الأوسط.
وفي المحصلة، تتقاطع التقارير الثلاثة عند حقيقة واحدة: الحرب على إيران دخلت مرحلة "الاستنزاف الشامل" سياسيا وماليا وعسكريا.
فبين تحذيرات كريستوف من مستنقع إستراتيجي، وتحليل بلومبيرغ لانسداد الأفق الدبلوماسي بعد مقتل لاريجاني، وكشف واشنطن بوست عن الكلفة المالية الهائلة، تتضح ملامح أزمة متعددة الأبعاد.
aljazeera.net