
في حين تتسع الحرب على إيران، لم يعد الجدل محصورا في الميدان أو في حسابات الربح والخسارة العسكرية، بل امتد إلى داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسها، وإلى قلب التحالف اليميني الذي أوصله إلى البيت الأبيض. وبين استقالة مسؤول أمني بارز، وسجال محتدم داخل معسكر "ماغا"، وتحذيرات من اتساع الشقاق حول إسرائيل والحرب، ترسم ثلاث قراءات أجنبية صورة إدارة تتعرض لاختبار داخلي متصاعد.
في هذا السياق، قالت صحيفة "آي بيبر" البريطانية إن استقالة رئيس المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت تعد أبرز استقالة تشهدها الولاية الثانية لترمب حتى الآن، وتعكس -بحسب مطلعين تحدثوا إلى الصحيفة- حالة "اضطراب" داخل البيت الأبيض بسبب الحرب على إيران.
وبحسب الصحيفة، برر كينت استقالته بأن "ضميره لا يسمح" له بدعم الحرب الجارية، معتبرا أن إيران لم تكن تشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، وأن واشنطن دخلت النزاع تحت ضغط من إسرائيل ولوبيها القوي في أمريكا. ورد ترمب على هذه التصريحات بوصف كينت بأنه "ضعيف في مسائل الأمن".
وترى الصحيفة أن أهمية الاستقالة لا تعود فقط إلى المنصب الذي يشغله كينت، بل أيضا إلى موقعه داخل المعسكر الترمبي. فهو -بحسب التقرير- من أنصار ترمب المتشددين، وسبق أن أيد مزاعمه بشأن تزوير انتخابات 2020، كما خاض الانتخابات مرتين مرشحا جمهوريا في ولاية واشنطن، بعد مسيرة عسكرية ومقتل زوجته في هجوم انتحاري في سوريا عام 2019.
ونقلت "آي بيبر" عن بيتر لوج -مدير كلية الإعلام والشؤون العامة في جامعة جورج واشنطن– قوله إن الاستقالة تعكس تصدعا متزايدا داخل قاعدة "ماغا"، مضيفا أن إدارة ترمب تبدو في حالة "تفكك" في ظل الانقسام بشأن الحرب على إيران وقضايا داخلية أخرى. كما وصف المؤرخ والمحلل السياسي آلان ليختمان مغادرة كينت بأنها "أهم استقالة في إدارة ترمب الثانية"، ليس فقط بسبب المنصب، بل لأنها تمس -في رأيه- جوهر التبرير الذي قدمته الإدارة للحرب.
إعلانوتضيف الصحيفة أن الأنظار تتجه الآن إلى مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد المعروفة بمواقفها المناهضة للحروب، والتي يرى بعض المراقبين أنها قد تكون المرشحة التالية للاستقالة.
ونقلت عن المعلق السياسي باتريك باشام قوله إن خروج غابارد -إن حدث- قد يكون ضربة قاسية لترمب، لأنه قد يهدد التحالف الانتخابي الذي أوصله إلى البيت الأبيض، خاصة بين المستقلين وبعض الناخبين الذين استمالهم عبر شخصيات مثل غابارد وروبرت كينيدي جونيور.
لكن التصدع لا يتوقف عند حدود الإدارة. ففي تقرير نشرته نيويورك تايمز، بدا أن الحرب على إيران فجرت خلافا علنيا داخل اليمين الأمريكي نفسه -ولاسيما داخل معسكر "ماغا"- حول دور الولايات المتحدة في الحرب، وحول طبيعة علاقتها بإسرائيل.
وتشير الصحيفة إلى أن شخصيات محافظة بارزة دخلت في سجالات حادة بشأن الحرب، من بينها ميغان كيلي ومارك ليفين، في وقت اتسع فيه الانقسام بين مؤيدين يرون الحرب امتدادا لنهج ترمب، ومعارضين يعدونها انحرافا عن شعار "أمريكا أولا".
وبحسب التقرير، اصطف إلى جانب ترمب سياسيون وإعلاميون مثل تيد كروز وليندسي غراهام وبن شابيرو، بينما عبر منتقدون -مثل تاكر كارلسون ومارجوري تايلور غرين وأليكس جونز إلى جانب أصوات أكثر اعتدالا مثل جو روغن وأندرو سوليفان- عن رفضهم للحرب أو شكوكهم في دوافعها.
وتلفت الصحيفة إلى أن بعض هؤلاء المعارضين رأى أن الحرب تخدم إسرائيل أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية.
وتقول نيويورك تايمز إن هذا السجال يعكس اتساع الهوة داخل المحافظين بشأن إسرائيل ودورها في السياسة الأمريكية، بعد عقود من الدعم شبه المطلق لها داخل اليمين. كما تشير إلى أن المعطيات الاستطلاعية تُظهر تراجعا في النظرة الإيجابية إلى إسرائيل، ولاسيما بين الجمهوريين الأصغر سنا.
ولم يقف ترمب على هامش هذا الاشتباك. فبحسب الصحيفة، فإنه تدخل بنفسه في السجال، ووقف إلى جانب مارك ليفين ضد منتقدي الحرب، وكتب على منصته "تروث سوشيال" أن من يهاجم ليفين "سيسقط سريعا"، مضيفا أن مؤيدي الحرب هم أعضاء "ماغا" الحقيقيون.
وفي السياق نفسه، يشير جيمس بول -في مقال رأي- إلى أن ما يجري قد يكون أكثر من مجرد خلاف عابر، بل ربما يمثل بداية تمرد داخل "ماغا" على ترمب نفسه.
ويرى أن هذا التيار -الذي طالما عرّف نفسه بصاحب الولاء شبه المطلق للرئيس- بدأت تظهر فيه شروخ متزايدة، وأن حرب إيران جاءت لتفتح صدعا أعمق من الخلافات السابقة.
وفي مقال نشرته صحيفة آي بيبر، يكتب بول أن ترمب بنى قسما مهما من صعوده السياسي على رفض "الحروب الأبدية" التي خاضتها إدارات أمريكية سابقة في العراق وأفغانستان، مستثمرا حالة السأم الواسعة من تلك الحروب. ومن هنا، فإن خوض حرب واسعة في الشرق الأوسط قد يدفع جزءا من تيار "أمريكا أولا" داخل "ماغا" إلى التمرد عليه.
ويرى الكاتب أن استقالة كينت تكتسب أهميتها من هذا السياق بالذات، لأنها لا تعبر فقط عن اعتراض مسؤول أمني على الحرب، بل تمس عصبا عميقا داخل القاعدة الترمبية يقوم على رفض التورط في حروب الشرق الأوسط المكلفة.
إعلانويضيف أن كينت أعاد -في رسالته- التذكير بأن ترمب نفسه كان ينظر إلى حروب المنطقة على أنها "فخ" يستنزف الأرواح والثروات الأمريكية.
كما يشير بول إلى أن تحميل إسرائيل مسؤولية دفع واشنطن إلى الحرب يكشف صدعا آخر داخل "ماغا"، لا يتعلق فقط بالسياسة الخارجية، بل أيضا بالموقف من إسرائيل نفسها.
فبرأيه، فإن هذا الخطاب -مهما كان مثيرا للجدل- يعكس اتساع هوة داخل اليمين الأمريكي بين دعم إسرائيل من جهة، وتصاعد تيار يرى أنها تدفع الولايات المتحدة إلى صراعات لا تخدم مصالحها من جهة أخرى.
وفي المقابل، لا يشارك الجميع هذا التقدير. فقد نقلت آي بيبر عن الإستراتيجي الجمهوري براين سايتشيك قوله إن الحديث عن تعرض ترمب لضغط خارجي من أجل خوض الحرب "مضحك"، معتبرا أن الرئيس يفعل ما يراه صوابا، ولا يمكن تصويره بوصفه أداة بأيدي قادة آخرين.
لكن الخيط الذي يصل بين هذه التقارير الثلاثة يبدو واضحا: الحرب على إيران لم تعد مجرد اختبار عسكري أو دبلوماسي لترمب، بل بدأت تتحول إلى اختبار داخلي لتماسك إدارته، وصلابة معسكره السياسي، وحدود قدرته على إبقاء معسكر "ماغا" موحدا خلفه.
aljazeera.net