سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

سنن النهوض 5.. العلم والعمل: رأس المال الحقيقي للأمم

سنن النهوض «5»

العلم والعمل: رأس المال الحقيقي للأمم

ميرغني الحبر/ المحامي

بعد أن يعي المجتمع مواضع الخلل، ويعيد إحياء ضميره الأخلاقي، ويصلح موقع النخبة ودورها، ويؤسس مؤسسات قوية تحكمها القواعد لا الأهواء، تبرز سنة أخرى من سنن النهوض لا تقل أهمية: بناء الإنسان المنتج.

فالتاريخ يكاد يجمع على أن الثروة الحقيقية للأمم لا تكمن في وفرة الموارد الطبيعية وحدها، ولا في اتساع الجغرافيا، بل في قدرة الإنسان على المعرفة والعمل والإبداع. فالإنسان المؤهل علمياً ومهنياً هو الذي يحوّل الموارد إلى قيمة، والإمكانات إلى إنجاز.

وقد أكدت دراسات الاقتصاد التنموي هذه الحقيقة حين أبرزت مفهوم رأس المال البشري، وهو المفهوم الذي طوّره الاقتصادي ثيودور شولتز، موضحاً أن الاستثمار في التعليم والمهارات البشرية يمكن أن يحقق عائداً اقتصادياً يفوق في كثير من الأحيان الاستثمار في رأس المال المادي.

ولعل التجارب الحديثة تقدم شواهد واضحة على ذلك. فقد خرجت اليابان من دمار واسع أعقب الحرب العالمية الثانية، ولم تكن تمتلك موارد طبيعية كبيرة، لكنها جعلت التعليم والبحث العلمي محور مشروعها الوطني، فاستطاعت خلال عقود قليلة أن تتحول إلى واحدة من أكبر القوى الصناعية في العالم.

وكذلك فعلت كوريا الجنوبية التي كانت في ستينيات القرن الماضي من الدول محدودة الدخل، لكنها تبنّت استراتيجية طويلة المدى تقوم على الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا، حتى أصبحت اليوم من الاقتصادات الصناعية المتقدمة.

وفي التجربة الأوروبية الحديثة نجد مثالاً آخر في ألمانيا، حيث لعب نظام التعليم المهني والتقني دوراً محورياً في بناء قاعدة صناعية متينة، إذ يجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي داخل المؤسسات الإنتاجية، مما أتاح تكوين قوة عاملة عالية الكفاءة.

غير أن هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن تجارب الحضارات السابقة. ففي العصر العباسي تحولت بغداد إلى مركز عالمي للعلم والمعرفة، وكان من أبرز معالم ذلك العصر مؤسسة بيت الحكمة التي احتضنت حركة ترجمة واسعة للعلوم والفلسفة، وأسهمت في نقل المعارف من الحضارات اليونانية والفارسية والهندية، ثم تطويرها والإضافة إليها.

وفي هذا المناخ العلمي ازدهرت علوم متعددة، وبرز علماء كبار مثل محمد بن موسى الخوارزمي الذي أسهمت أعماله في تأسيس علم الجبر، وهو أحد الأسس التي قامت عليها الرياضيات الحديثة.

إن هذه التجارب التاريخية والمعاصرة تؤكد حقيقة واحدة:

أن العلم هو نقطة الانطلاق في مسار النهوض، لكنه لا يحقق أثره الكامل إلا حين يقترن بثقافة العمل والإتقان.

فالمعرفة التي تبقى في حدود الشهادات لا تغير واقعاً، أما المعرفة التي تتحول إلى مهارة وعمل وإبداع فهي التي تصنع الفارق بين مجتمع يكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون، ومجتمع يشارك في إنتاج المعرفة والثروة.

ومن هنا يصبح التعليم أكثر من مجرد مؤسسة رسمية؛ إنه مشروع حضاري يهدف إلى بناء العقل القادر على التفكير، واليد القادرة على العمل، والروح القادرة على المبادرة.

كما يصبح العمل ـ في مختلف مجالاته ـ قيمة أخلاقية واجتماعية، لا مجرد وسيلة للكسب. فالمجتمعات التي تقدّر الجهد والإبداع، وتفتح المجال أمام الكفاءة، تخلق بيئة تسمح للطاقات الكامنة بأن تتحول إلى إنجازات ملموسة.

 وهكذا تتجلى سنة خامسة من سنن النهوض:

أن تجعل الأمة من العلم والعمل المنتج أساس قوتها الحقيقية، وأن تنتقل من موقع المستهلك للمعرفة إلى موقع المشارك في إنتاجها.

وفي المقال القادم من سلسلة «سنن النهوض» ننتقل إلى ركيزة أخرى من ركائز البناء الحضاري:

كيف يتحول الاقتصاد من مجرد نشاط مالي إلى قوة تدعم الاستقرار والعدالة في المجتمع؟

سنن النهوض «4».. المؤسسات قبل الأشخاص: حين تصبح القواعد أقوى من الإرادات

altaghyeer.info