
تشهد السياسات الأمريكية اتجاه إيران مفارقة لافتة تتعلق بشن الحرب عليها وفي الوقت نفسه تخفيف القيود على صادراتها النفطية، في خطوة تهدف إلى كبح ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، وفق ما أوردته تقارير نشرتها واشنطن بوست ونيويورك تايمز.
وبحسب واشنطن بوست، فإن إدارة الرئيس دونالد ترمب تدرس رفع العقوبات عن النفط الإيراني الموجود بالفعل على متن ناقلات في عرض البحر، وهو ما قد يشمل نحو 140 مليون برميل، وفق تصريح وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت.
ونقلت الصحيفة عنه قوله إن الهدف هو زيادة المعروض النفطي العالمي لتخفيف الضغط على الأسعار التي ارتفعت جراء التصعيد العسكري في الخليج، مضيفا أن الإدارة تمتلك "عدة أدوات" للتأثير في السوق.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن هذا التوجه يمثل تراجعا واضحا عن سياسة "الضغط الأقصى" التي اعتمدتها واشنطن لسنوات بهدف خنق الاقتصاد الإيراني، حيث يتم الآن استخدام النفط الإيراني نفسه أداة لخفض الأسعار العالمية، رغم أن الولايات المتحدة تخوض مواجهة مباشرة مع طهران.
وقال بيسنت في مقابلة مع قناة "فوكس بزنس" الأمريكية نقلتها نيويورك تايمز إن الإدارة ستستخدم "براميل النفط الإيرانية ضد الإيرانيين" للحفاظ على استقرار الأسعار خلال فترة قصيرة، في إشارة إلى أن هذه الخطوة مؤقتة ومرتبطة باعتبارات السوق.
وتوضح الصحيفتان أن هذا التحول يأتي في سياق اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، حيث تجاوز سعر خام برنت 110 دولارات للبرميل في بعض الفترات، مع تصاعد الهجمات على منشآت نفطية وغازية في منطقة الخليج.
وتشير واشنطن بوست إلى أن هذه الهجمات شملت بنى تحتية حساسة في دول مثل قطر والكويت والسعودية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز والنفط بشكل كبير.
إعلانوبحسب نيويورك تايمز، فإن الإدارة الأمريكية لا تكتفي بتخفيف العقوبات عن النفط الإيراني، بل تدرس أيضا استخدام الاحتياطي الإستراتيجي النفطي الأمريكي لزيادة المعروض في الأسواق، إلى جانب تسهيل مرور ناقلات النفط الإيرانية عبر مضيق هرمز، رغم أن واشنطن تعتبر طهران طرفا رئيسيا في تهديد الملاحة في المنطقة.
ونقلت واشنطن بوست عن محللين في قطاع الطاقة قولهم إن هذا التوجه يعكس "حالة من الإلحاح" داخل الإدارة الأمريكية لاحتواء الأسعار، حتى لو كان ذلك يعني استفادة إيران ماليا من بيع النفط خلال فترة الحرب.
وقال بريت إريكسون، وهو خبير في الجرائم المالية، إن تفكيك منظومة العقوبات بهذه السرعة يمثل "تراجعًا إستراتيجيا كبيرا" عن سنوات من السياسات الأمريكية.
كما نقلت نيويورك تايمز عن أليكس زردن، المسؤول السابق في وزارة الخزانة، قوله إن إيران ستستفيد على الأرجح من هذه المبيعات لتمويل نظامها العسكري وحلفائها، محذرا من أن هذه الإجراءات لن تمنح الأسواق الاستقرار المطلوب.
محللون في قطاع الطاقة قدروا أن إيران تكسب أكثر من 100 مليون دولار يوميا من صادرات النفط منذ بدء التصعيد
وتضيف التقارير أن المفارقة الأساسية تتمثل في أن الحرب نفسها أدت إلى ارتفاع أسعار النفط عالميا، مما منح إيران مصدر دخل إضافيا رغم العقوبات المفروضة عليها.
ووفق واشنطن بوست، فإن محللين في قطاع الطاقة قدروا أن إيران تكسب أكثر من 100 مليون دولار يوميا من صادرات النفط منذ بدء التصعيد، وهو ما يعزز قدرتها الاقتصادية رغم الضغوط العسكرية.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن إدارة ترمب سبق أن خففت أيضا القيود على النفط الروسي والفنزويلي في سياق مشابه، في محاولة لتعويض نقص الإمدادات العالمية، مما يعكس نمطا أوسع من "البراغماتية الاقتصادية" في إدارة أزمات الطاقة، حتى عندما يتعارض ذلك مع أهداف السياسة الخارجية التقليدية.
وفي السياق ذاته، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بحسب ما نقلته نيويورك تايمز، إنه مستعد لاتخاذ "كل ما هو ضروري" لضبط أسعار النفط، مع اعترافه بأن ضرب إيران قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع النمو الاقتصادي، لكنه اعتبر أن المواجهة كانت ضرورية.
وتوضح واشنطن بوست أن هذه السياسات تأتي في حين تستمر التوترات العسكرية، بما في ذلك الهجمات على منشآت الطاقة في الخليج، وهو ما دفع دولا مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا إلى الدعوة لوقف استهداف البنية التحتية للطاقة، محذرة من آثار طويلة الأمد على الاقتصاد العالمي.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفق ما نقلته واشنطن بوست، إن تدمير قدرات إنتاج الطاقة سيؤدي إلى "تداعيات دائمة" على الأسواق العالمية، داعيا إلى خفض التصعيد فورا.
كما أشارت نيويورك تايمز إلى أن أسعار الوقود في الولايات المتحدة نفسها بدأت الارتفاع، حيث وصل متوسط سعر الغالون إلى نحو 3.88 دولارات، وهو ما يزيد الضغوط السياسية الداخلية على الإدارة الأمريكية، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وفي تحليل اقتصادي نقلته الصحيفتان، أشار خبراء إلى أن رفع العقوبات عن النفط الإيراني الموجود في البحر لن يؤدي بالضرورة إلى زيادة الإنتاج الفعلي، لكنه قد يساعد في تهدئة الأسواق بشكل مؤقت، وتبقى قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات قائمة بالفعل عبر شبكات تجارية غير رسمية.
إعلانويحذر محللون من أن استمرار هذه المقاربة قد يعزز موقع إيران اقتصاديا خلال الحرب، وهو ما أشار إليه الأستاذ في جامعة شيكاغو روبرت بَيب، الذي نقلت عنه نيويورك تايمز قوله إن ارتفاع أسعار النفط يمنح إيران "قوة إضافية غير مباشرة" في الصراع.
وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن هذه الإجراءات مؤقتة وتهدف إلى استقرار الأسواق، يرى خبراء الطاقة أن النتيجة النهائية قد تكون أكثر تعقيدا، إذ تجمع بين استمرار الضغط العسكري على إيران وفي الوقت نفسه تخفيف الضغط الاقتصادي عليها، مما يعكس تناقضا جوهريا في إدارة الأزمة بين أهداف الأمن القومي ومتطلبات السوق العالمية للطاقة.
aljazeera.net