الدولار يحكم.. فمن يحكم الدولة؟
أحمد عثمان جبريل
لم يعد السودانيون يستيقظون على أخبار الحرب وحدها، بل على أرقام جديدة يكتبها الدولار كل صباح فوق جراحهم المفتوحة.. فالعملة الوطنية التي كانت يوماً عنواناً لسيادة الدولة أصبحت ضحية لأزمة تتجاوز حدود الاقتصاد إلى عمق السياسة والحكم.. وبينما تتضاعف أسعار الغذاء والدواء والخدمات بصورة جنونية، تتراجع قدرة الناس على الاحتمال، ويصبح السؤال الأكثر إلحاحاً:”هل نحن أمام أزمة نقد أجنبي أم أمام أزمة دولة فقدت القدرة على إدارة نفسها؟”.
❝ ليست الكارثة أن تخطئ السلطة، بل أن يصبح الخطأ نظاماً للحكم. ❞
— حنة آرندت
(1)
حين يترأس عضو في مجلس السيادة اجتماعاً مصيرياً لمناقشة انهيار العملة الوطنية بحضور وزراء القطاع الاقتصادي ومحافظ البنك المركزي ومديري المؤسسات الحيوية، فإن الحدث يتجاوز حدود البروتوكول الإداري ليصبح سؤالاً سياسياً بامتياز.. فالدول لا تُعرف فقط بمن يشغل المناصب، وإنما بمن يملك القرار.. وعندما يصبح القرار في مكان والمنصب في مكان آخر، تبدأ أزمة الحكم قبل أن تبدأ أزمة الاقتصاد.
(2)
لقد جاءت حكومة كامل إدريس وسط وعود كبيرة بإعادة ترتيب الجهاز التنفيذي وإدارة ملفات الدولة المنهكة بالحرب والانهيار الاقتصادي.. غير أن المشهد الأخير أعاد طرح السؤال الذي يتردد في الشارع السوداني: “ما حجم الصلاحيات التي يملكها رئيس الوزراء فعلياً؟ وإذا كانت الملفات الاقتصادية الكبرى تُدار خارج مكتبه، فأين تبدأ سلطته وأين تنتهي؟” .. ذلك أن المسؤولية لا تستقيم دون صلاحيات، والمحاسبة لا تكون عادلة إذا كان القرار بيد غير من يُطلب منه تحمل نتائجه.
(3)
الواقع الاقتصادي نفسه لا يحتاج إلى كثير من الشرح.. فالحرب التهمت الموارد العامة، وعطلت قطاعات الإنتاج، وأوقفت مصادر مهمة للنقد الأجنبي.. تراجع النفط، وانخفضت الصادرات، واستمر تهريب الذهب، بينما اتسعت الفجوة بين ما يستورده السودان وما يصدره.. وفي ظل هذا الاختلال الهيكلي أصبح الدولار سلعة نادرة، وكل سلعة نادرة ترتفع قيمتها مهما حاولت الاجتماعات والبيانات مقاومة ذلك.
(4)
الأخطر من نقص الدولار هو فائض الجنيه.. فالسوق المحلية تشهد زيادة مستمرة في الكتلة النقدية دون أن يقابلها نمو حقيقي في الإنتاج أو الخدمات أو الاحتياطات الأجنبية.. وهنا تظهر القاعدة الاقتصادية القاسية:”عندما تزداد النقود وتقل السلع، ترتفع الأسعار وتنهار القوة الشرائية للعملة”.. ولذلك فإن ما يعيشه السودانيون اليوم من محنة اقتصادية، ليس مجرد أزمة سعر صرف، بل أزمة فقدان متواصل لقيمة العمل والادخار والدخل.
(5)
ومع استمرار التراجع، فقد الجنيه إحدى أهم وظائفه وهي الثقة.. فالناس لم يعودوا ينظرون إليه باعتباره وسيلة آمنة لحفظ القيمة، بل أصبحوا يهربون منه نحو الدولار، كلما سنحت الفرصة.. وهكذا تدخل البلاد في دائرة مغلقة:” انخفاض الجنيه يدفع الناس إلى شراء الدولار، وزيادة الطلب على الدولار تؤدي إلى مزيد من انخفاض الجنيه، فيتكرر المشهد بلا نهاية بينما تتآكل حياة المواطنين يوماً بعد يوم”.
(6)
صحيح أن البنك المركزي يتحمل المسؤولية المباشرة عن السياسة النقدية وإدارة سعر الصرف، لكن من الظلم اختزال الأزمة كلها في مؤسسة واحدة.. فالبنك المركزي لا يستطيع إنتاج النفط، ولا وقف الحرب، ولا منع التهريب، ولا خلق الصادرات من العدم.. السياسة النقدية تستطيع التخفيف من الأعراض، لكنها لا تستطيع معالجة المرض إذا كانت الأسباب السياسية والاقتصادية العميقة ما تزال قائمة ومستمرة في إنتاج الأزمة.
(7)
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.. فالدول التي تنجح في إدارة أزماتها لا تفعل ذلك عبر تعدد مراكز القرار، بل عبر وضوح المسؤولية.. أما حين تتداخل السلطات وتتشابك الصلاحيات، يصبح من المستحيل معرفة من يحكم ومن يُحاسب.. وعندها تتحول الاجتماعات إلى مسكنات مؤقتة بينما يستمر النزيف الحقيقي في مكان آخر.. فالمواطن الذي يشتري الخبز والدواء لا تعنيه خرائط النفوذ داخل السلطة، بل تعنيه النتيجة التي يراها كل يوم في الأسواق.
الواقع إن الدولار لم يصبح الحاكم الفعلي للسوق السودانية لأنه أقوى من الدولة، بل لأن الدولة نفسها تبدو عاجزة عن تقديم مركز قرار واضح وقادر على المواجهة.. وما يجري اليوم ليس مجرد انهيار في قيمة الجنيه، بل امتحان عسير لفكرة الحكم ذاتها.. فإذا كان رئيس الوزراء مسؤولاً فليُمنح السلطة كاملة، وإذا لم يكن يملك القرار فليعرف السودانيون من يملكه.. أما استمرار هذا المشهد الضبابي فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار ومزيد من المعاناة.. فقد علمتنا التجارب أن الأمم لا تسقط حين ترتفع أسعار العملات الأجنبية فحسب، وإنما حين تضيع المسؤولية بين الألقاب وتغيب الحقيقة خلف ستار السلطة.. إنا لله ياخ.. الله غالب.
altaghyeer.info