
لم يحتج مشجعو اليابان إلى هدف قاتل أو انتصار تاريخي ليخطفوا الأضواء في كأس العالم 2026، فبعد التعادل المثير أمام هولندا، صنعوا الحدث بطريقتهم الخاصة عندما بقوا في المدرجات لتنظيفها وجمع النفايات قبل مغادرتها.
وبينما انشغلت الجماهير بتحليل النتيجة وأداء اللاعبين، تحولت لقطات المشجعين اليابانيين إلى حديث منصات التواصل الاجتماعي حول العالم، مجددة الإعجاب بثقافة ترى في احترام المكان جزءا لا يتجزأ من الروح الرياضية.
مشهد يتجاوز نتيجة المباراة
بعد التعادل المثير 2-2 بين اليابان وهولندا على ملعب دالاس في ولاية تكساس الأمريكية، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع فيديو لمشجعين يابانيين وهم يجمعون النفايات من المدرجات عقب انتهاء المباراة.
وظهر المئات منهم حاملين أكياس القمامة الزرقاء المميزة، يجمعون الزجاجات البلاستيكية وأغلفة الطعام والمناديل الورقية، في مشهد أثار إعجاب المتابعين حول العالم، لا سيما أنه جاء عقب مباراة حافلة بالإثارة حتى دقائقها الأخيرة.
وسرعان ما انتشرت المقاطع المصورة على نطاق واسع، وسط إشادات من جماهير ومنصات رياضية ومعلقين رأوا في هذا السلوك نموذجا للمسؤولية واحترام الأماكن العامة، مؤكدين أن المشجعين اليابانيين يواصلون تقديم صورة مختلفة عن العلاقة بين الرياضة والقيم المجتمعية.
وتفاعل آلاف المستخدمين مع المشاهد المتداولة، معتبرين أن ما قام به المشجعون اليابانيون يعكس ثقافة تتجاوز حدود كرة القدم ونتائج المباريات.
فيما رأى آخرون أن هذه اللقطات كانت من أبرز مشاهد المباراة وأكثرها تأثيرا، لما حملته من رسائل إيجابية حول المسؤولية الفردية والجماعية.
كما أشاد مستخدمون بما وصفوه بـ"الانضباط الجماعي" الذي يظهره المشجعون اليابانيون في مختلف المحافل الرياضية، مؤكدين أن هذا السلوك أصبح جزءا من الهوية التي تميز الجماهير اليابانية أينما حضرت.
إعلانعادة راسخة في الثقافة اليابانية
لا يُعد هذا السلوك حدثا استثنائيا أو مرتبطا ببطولة معينة، بل يمثل جزءا من ثقافة متجذرة في المجتمع الياباني تقوم على الحفاظ على نظافة الأماكن العامة واحترامها.
ويعود هذا التقليد إلى أول مشاركة لليابان في كأس العالم عام 1998 في فرنسا، حين لفت المشجعون اليابانيون الأنظار للمرة الأولى بتنظيف المدرجات عقب المباريات، قبل أن يتحول هذا المشهد إلى عادة تتكرر في مختلف البطولات الرياضية الكبرى.
ومنذ ذلك الحين، باتت صور الجماهير اليابانية وهي تجمع النفايات بعد المباريات مشهدا مألوفا في كأس العالم وغيرها من الأحداث الرياضية الدولية، ما أكسبها احتراما وإشادة في مختلف أنحاء العالم.
من المدرجات إلى غرف الملابس
وخلال كأس العالم 2022 في قطر، حظي المشجعون اليابانيون بإشادة عالمية واسعة بعدما نظفوا مدرجاتهم عقب الفوز التاريخي على ألمانيا بنتيجة 2-1.
ولم يقتصر الأمر على الجماهير فقط، إذ حرص لاعبو المنتخب الياباني أيضا على تنظيف غرفة تبديل الملابس بعد المباراة، تاركين رسالة شكر للمستضيفين، في صورة تداولتها وسائل إعلام عالمية ونشرها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
وأصبحت تلك اللقطات رمزا للانضباط والاحترام اللذين يميزان الثقافة الرياضية اليابانية، سواء داخل الملعب أو خارجه.
"اترك المكان كما وجدته"
يعكس هذا السلوك أحد المبادئ الراسخة في الثقافة اليابانية، والمعبّر عنه بالمثل الشهير: "تاتسو توري أتو وو نيغوسازو"، والذي يعني: "اترك المكان كما وجدته".
ويفسر علماء الاجتماع هذا السلوك باعتباره امتدادا لما يتعلمه الأطفال في المدارس اليابانية منذ سن مبكرة، حيث يشارك الطلاب بأنفسهم في تنظيف الفصول الدراسية والممرات والمرافق المدرسية بشكل يومي.
وترى تقارير عديدة أن حرص المشجعين اليابانيين على تنظيف الملاعب لا يقتصر على الحفاظ على النظافة فحسب، بل يمثل أيضا وسيلة للتعبير عن الفخر بثقافتهم أمام العالم، إذ تُعد النظافة والانضباط من القيم المتجذرة بعمق في المجتمع الياباني.
وفي كل بطولة كبرى، ينجح المشجعون اليابانيون في تقديم صورة مختلفة للمشجع الرياضي؛ صورة تؤكد أن كرة القدم لا تُقاس فقط بما يحدث داخل المستطيل الأخضر، بل أيضا بما يتركه الجمهور من أثر خارجه، ليواصلوا تقديم درس متجدد في المسؤولية والاحترام يتجاوز حدود الرياضة.
aljazeera.net