سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

من الحرب إلى التوازن الجديد: كيف أعادت المواجهة الأمريكية الإيرانية تشكيل الشرق الأوسط

من الحرب إلى التوازن الجديد: كيف أعادت المواجهة الأمريكية الإيرانية تشكيل الشرق الأوسط؟

ميرغني الحبر/ المحامي

ليست الحروب الكبرى مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل هي لحظات تاريخية تكشف موازين القوى الحقيقية، وتعيد صياغة المفاهيم السياسية والاستراتيجية، وترسم ملامح المراحل المقبلة. ومن هذا المنظور، فإن المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما انتهت إليه من اتفاق إطاري أوقف الانزلاق نحو حرب شاملة، تمثل محطة فارقة في تاريخ المنطقة والعالم، ربما لا تقل أهمية في آثارها البعيدة عن حروب الخليج السابقة أو حتى عن التحولات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة.

لقد أظهرت هذه الحرب أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة، وأن كثيرا من المسلمات التي حكمت المنطقة لعقود طويلة أصبحت بحاجة إلى مراجعة وإعادة نظر.

 سقوط وهم الحسم العسكري

من أهم الدروس التي أفرزتها هذه الحرب أن فكرة الحسم العسكري المطلق أصبحت أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي الهائل، لم تتمكن من فرض استسلام كامل على إيران أو تغيير معادلات المنطقة وفقا لرؤيتها. وفي المقابل، لم تستطع إيران إلحاق هزيمة استراتيجية بواشنطن أو إخراجها من الشرق الأوسط.

وانتهى الطرفان إلى ما تنتهي إليه معظم الصراعات الكبرى في عصرنا: التفاوض والتسويات المرحلية.

إن هذه الحقيقة تؤكد أن الحروب الحديثة أصبحت أكثر تعقيدا، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها صناعة السلام أو فرض الإرادات بصورة مطلقة.

 نهاية عصر الهيمنة الأحادية

لقد كانت العقود التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي تعبر عن مرحلة هيمنة أمريكية شبه مطلقة، لكن التطورات الأخيرة تؤكد أن العالم دخل بالفعل عصر التوازنات المعقدة، حيث أصبحت القوى المتوسطة قادرة على فرض حساباتها وإجبار القوى الكبرى على أخذ مصالحها بعين الاعتبار.

ولعل أهم ما كشفت عنه هذه الحرب هو أن الردع لم يعد حكرا على القوى العظمى، وأن امتلاك أدوات القوة الصاروخية والتكنولوجية والقدرات الاقتصادية بات يتيح للدول الإقليمية هامشا أوسع من التأثير والمناورة.

 إسرائيل وحدود القوة

ومن الحقائق التي برزت بوضوح أن التفوق العسكري الإسرائيلي، على أهميته، لا يكفي وحده لتوفير الأمن المستدام.

فالحروب الطويلة والاستنزاف الاقتصادي والضغوط السياسية الداخلية والخارجية كلها عوامل تجعل الأمن الحقيقي أكثر ارتباطا بالحلول السياسية والتسويات الإقليمية منه بالرهان المستمر على القوة العسكرية.

لقد أثبتت الأحداث أن القوة قادرة على كسب المعارك، لكنها ليست كافية لحسم الصراعات التاريخية الممتدة.

 الخليج العربي بين المخاطر والفرص

كانت دول الخليج من أكثر الأطراف إدراكا لمخاطر الانزلاق نحو حرب واسعة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما لأن استقرارها الاقتصادي ومشاريعها التنموية الكبرى مرتبطان بوجود بيئة إقليمية مستقرة.

ومن المرجح أن تكون هذه الدول من أكبر المستفيدين من أي مرحلة تهدئة طويلة، إذ ستزداد مكانتها كمراكز عالمية للطاقة والاستثمار والخدمات اللوجستية، كما ستتعزز علاقاتها الاقتصادية مع آسيا والقوى الصاعدة.

إن المستقبل يبدو أكثر ارتباطا بالاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا، وأقل ارتباطا بمنطق الصراعات العسكرية المفتوحة.

 المفاهيم الجديدة التي أرستها الحرب

لم تكن نتائج هذه الحرب مقتصرة على الجوانب العسكرية، بل أسست لجملة من المفاهيم الجديدة.

أول هذه المفاهيم هو الانتقال من الهيمنة المطلقة إلى الردع المتبادل، حيث لم يعد بمقدور أي طرف فرض إرادته بصورة منفردة.

وثانيها أن الاقتصاد أصبح سلاحا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الصواريخ والطائرات، وأن أمن الممرات البحرية والطاقة بات جزءا من الأمن العالمي.

وثالثها أن الحروب الحديثة أصبحت محكومة بسقوف معينة تمنع الانفجار الشامل، لأن كلفة الحرب الكاملة أصبحت تتجاوز قدرة الجميع على تحمل نتائجها.

أما المفهوم الرابع فهو صعود دور الوسطاء الإقليميين والقوى الدولية الجديدة، مما يعكس تحولا تدريجيا من عالم القطب الواحد إلى عالم متعدد المراكز.

 شرق أوسط جديد أم هدنة مؤقتة؟

ربما يكون السؤال الأهم: هل نشهد ولادة شرق أوسط جديد، أم أن ما حدث ليس سوى هدنة مؤقتة؟

الراجح أن المنطقة تتجه نحو مرحلة تختلف عن العقود السابقة، حيث ستتراجع الحروب الكبرى المباشرة لصالح المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، وستصبح التنمية والاستقرار الداخلي أكثر أهمية من الصراعات الأيديولوجية.

وسوف تبرز أدوار جديدة لقوى إقليمية كالسعودية وتركيا ومصر وإيران، بالتوازي مع تنامي النفوذ الصيني والهندي، وتراجع قدرة أي طرف منفرد على احتكار القرار الإقليمي.

غير أن هذه التحولات ستظل رهينة بمعالجة القضايا المزمنة التي ما تزال تشكل بؤر توتر دائمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وأمن الخليج، والعلاقات العربية الإيرانية، ومستقبل النظام الإقليمي برمته.

 الدرس الأكبر

لعل الدرس الأعمق الذي ينبغي استخلاصه من هذه الحرب هو أن الأمم لا تبنى بالحروب وحدها، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بتراكم الأسلحة، وإنما بتراكم الثقة والمصالح المشتركة والتنمية والعدالة.

فالحضارات العظيمة لم تصنعها الجيوش فقط، بل صنعتها العقول والمؤسسات والاقتصاد والعلم.

وقد تكون هذه الحرب، بما حملته من مخاطر هائلة، إيذانا بانتهاء مرحلة طويلة بدأت مع الثورة الإيرانية عام 1979، وبداية مرحلة جديدة عنوانها التوازن، وشعارها المصالح، وأداتها الحوار، وغايتها البحث عن الاستقرار في عالم لم يعد يتسع لحروب بلا نهاية.

altaghyeer.info