سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

الحقيقة العارية

الحقيقة العارية

الحقيقة العارية

التقي البشير الماحي

في سنين عملي التي امتدت لسنوات في بوادي غرب كردفان سمعت عبارة وقفت عندها كثيرًا قالها أحد المواطنين “بلدًا وطاها البوت سوق عيالك وفوت” اندهشت في البداية واختلطت عليَّ “الأبوات” في تلك المناطق فلم أعلم أيَّ أبوات يقصد أتلك التي يرتديها عمال وموظفو الشركات العاملة في النفط أم تلك التي يرتديها أفراد القوات النظامية ولكن بعد ذلك علمت أنه كان يعني بمقولته الحرب في إطلاقها تلك الحرب التي تجلب الأبوات مما يجعل الحياة غير صالحة في كل جوانبها.

سقت هذه المقدمة بسبب حالة الصياح المتعالي المصاحبة لانفلات السوق وارتفاع معدلات التضخم بصورة غير مسبوقة ومحاولة إيجاد مبررات واهية وشماعات متهالكة لا تقوى على حمل الحقيقة العارية أن الحرب هي المتسبب الأول حتى في الفساد المستشري ولا يمكن تصور وضع غير الذي هو ماثل اليوم.

كاذب من يظن أن للحرب موازنة يمكن أن توضع ويُصرف على أساسها فالمقاتل الذي لا يعلم إن كان سوف يعود من معركته أم لا لن يستطيع تحديد ما يستهلكه من ذخيرة وله الأولوية في الصرف على ذلك الدكتور الذي يحاضر في قاعات الدرس أو ذاك الذي يعالج المرضى.

إن الحقيقة أمرُّ من ذلك فواقع الحرب يخلق أفضل البيئات للفاسدين وسارقي قوت الشعب وقد قيل “عندما تدوي المدافع ترتفع أرباح البعض في صمت” غير أن للصمت ضجيجًا يأتينا من التعدين المصاحب للحرب.

البعض يرى أن ما يحدث اليوم من تضخم لم يكن حادثًا في بدايات الحرب الأولى وهي نظرة قاصرة فالدولة والنشاط العام كانا معطلين تمامًا ولم يكن في الأمر ذكاء من الطاقم الاقتصادي أو وزير ماليته كما روَّج البعض.

اليوم وبعد أن توفرت مناطق آمنة كبيرة وعادت العاصمة وبعض الولايات أصبح الناس يسألون عن كل ما يتعلق بحياتهم من كهرباء ووقود ودواء مع متطلبات إعمار ما دمرته الحرب على المستوى الفردي دون حتى إعمار جسر واحد على المستوى القومي ورئيس الوزراء وقف يومًا مطالبًا بإنجاز العمل في أحد الكباري في شهور ولم يبدأ العمل فيه حتى اليوم.

لقد زادت الحاجة إلى الاستيراد مما ضاعف الفجوة في ميزان المدفوعات لترتفع معدلات التضخم ويتواصل انخفاض قيمة العملة الوطنية.

البعض يبذل النصح للحكومة بأن تسعى إلى تحرير السوق بصورة كاملة وهو حديث غير صحيح في ظل هذا الواقع فمن المعلوم أن السياسة الاقتصادية تنقسم إلى شقين سياسة نقدية وأخرى مالية فالسياسة النقدية أهم ما فيها إدارة سعر الصرف والتحكم في عرض النقود أما السياسة المالية فهي التي تدير السياسة الضريبية وعملية الصادر والوارد والتعريفة الجمركية وقد أرهقت هذه الملفات حكومة الفترة الانتقالية حتى تكللت بالنجاح رغم ما صاحبها من عنت.

إن عملية التحرير الكامل يجب أن تقابلها معالجات لا تتوفر الآن في ظل واقع الحرب داخليًا إذا أردنا حشد الموارد وجل تلك الموارد يحتاج العمل فيها إلى استقرار وأيضًا لا توجد دعومات خارجية تمول أوضاعًا غير مستقرة وإن حدث ذلك فسيُوجَّه إلى ما يسد الرمق.

إن من يتحلى ببعض البصيرة عليه ألا يكون “أقرع ونزهي” يطالب باستمرار الحرب وضرورات الحياة معًا ليصبح شأنه شأن ذلك الأقرع الذي بعد أن امتلأت بطنه يظل منتظرًا مجيء الحلو.

altaghyeer.info