الخرطوم 20 يونيو 2026- قال مسؤول في البنك المركزي لـ«سودان تربيون» إن السلطات تراقب بدقة عمليات مبادلة لعملات أخرى في بعض المناطق الحدودية التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
وبحسب مصادر تحدثت لـ«سودان تربيون» فإن عمليات مقايضة واسعة تُجرى للسلع والخدمات مقابل عملات دول جوار السودان، وذلك باستخدام الجنيه التشادي أو الجنيه الجنوب سوداني أو الدولار وغيرها من العملات بعد قرارات تغيير العملة التي قام بها الجيش في مناطق سيطرته.
وأكد المسؤول الذي اشترط حجب اسمه للحديث، أن فئات العملة القديمة الملغاة الموجودة حالياً بمناطق سيطرة الدعم السريع، غير مبرئة للذمة ولن يتم الاعتراف بها في المناطق الحكومية -وفق قوله-.
وتابع: «حتى إذا نقل شخص هذه الفئات إلى مناطق الحكومة لأي أسباب، فلن يتم تبديلها أو التعامل معها».
التجريد من الأملاك والمدخرات
لم تعد رحلة النزوح الشاقة للمواطن السوداني الفار من جحيم المعارك تنتهي بالوصول إلى الأمان في إحدى المناطق بالبلاد.
ففور تخطيه خطوط المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، يصطدم بواقع مرير يجرده من مدخراته ويجعله مفلساً بفعل الانقسام النقدي الحاد وفرض قيود الدفع المتبادلة بين مناطق السيطرة.
وبعد المعارك الحربية والمشاحنات الاجتماعية والمناطقية التي أفرزتها الحرب، وتصريحات القادة والموالين للحرب، والشق العميق بين مكونات المجتمع السوداني، أطلت هذه المأساة الإنسانية لتكشف بوضوح كيف تمددت الحرب الميدانية في السودان لتتحول إلى جبهة أخرى لا تقل ضراوة، عنوانها السيادة النقدية وتوظيف المال كسلاح في معركة كسر العظام بين الطرفين.
ومؤخراً اتخذ أطراف النزاع خطوات حاسمة ومتقابلة بدأت بقرار بنك السودان المركزي التابع للحكومة والجيش بتغيير العملة الورقية لفئتي الـ 500 والـ 1000 جنيه في نوفمبر الماضي.
في المقابل، واجهت قوات الدعم السريع هذا الإجراء برفض قاطع ومنع تداول الطبعات الجديدة في مناطق سيطرتها، مما دفع المشهد النقدي إلى انقسام حاد لا يعكس مجرد رغبة في تنظيم الاقتصاد، بل يمثل صراعاً لكسر العظام وفرض واقع سياسي جديد على الأرض.
النظام المصرفي في مناطق الدعم السريع
وعدّ حسب النبي محمود، رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية – موالية لحكومة الدعم السريع- في حديث لـ«سودان تربيون»، إنشاء نظام مصرفي متكامل في مناطق سيطرة حكومة السلام أمراً ضرورياً وملحّاً، لا سيما في ظل سيطرتها على أكثر من نصف الأراضي السودانية.
ورأى أن ما يزيد من إلحاحية هذه الخطوة أن العملة المتداولة حالياً في هذه المناطق هي عملة قديمة، “إذ أقدمت الحكومة على استبدالها بصورة أحادية الجانب دون أي تنسيق أو اعتبار لمصالح المواطنين في تلك المناطق”.
واعتبر حسب النبي أن هذه المعطيات مجتمعةً تجعل من إنشاء جهاز مصرفي متكامل، يشمل بنكاً مركزياً وإصدار عملة وطنية جديدة، ضرورةً حتمية لا تحتمل التأجيل.
وقال إن السودان يمرّ اليوم بمرحلة تاريخية فارقة، لم تعد فيها أنصاف الحلول خياراً مقبولاً. فيما لن يُسمح لنظام البرهان بسلب الشعوب حقوقها الأساسية، خاصةً وأن هذا النظام قد جرّد المواطنين من أبسط مستحقاتهم الوطنية، بما فيها جواز السفر والجنسية السودانية.
وأفاد بالتزام حكومة السلام بضمان هذه الحقوق كاملةً لجميع أبناء الشعب السوداني دون استثناء.
الاقتصاد المزدوج
ويرى الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي، أن الدعم السريع تسعى لتكريس واقع مالي مستقل عن الحكومة الرسمية من خلال السيطرة على الموارد، وتأسيس أنظمة جباية خاصة، وإدخال كميات كبيرة من النقد غير المعتمد رسميًّا.
وأشار فتحي، في حديث لـ”سودان تربيون” إلى أن ما يحدث في إقليم دارفور يعكس بوادر ما يعرف بالاقتصاد المزدوج في السودان، حيث تُدار بعض المناطق من قبل الدعم السريع بأنظمة مالية موازية تشمل فرض جمارك، ودفع مرتبات، وتداول أوراق نقدية خارج سلطة البنك المركزي، في وقت لجأت فيه إلى التعامل التجاري والتبادل السلعي عبر الدولار في الولايات الحدودية المتاخمة لدول الجوار (تشاد، أفريقيا الوسطى، ليبيا أو دولة جنوب السودان) التي يدخل فيها الدولار عاملاً رئيسياً لتحديد قيمة العملة المستخدمة في تلك البلدان.
وأفاد بأن التبعات هي ما قد يؤدي إلى نظامين نقديين في البلاد، وانقسام في السياسة النقدية في ظل عدم اعتراف أي طرف بالآخر، مما خلق حاجزاً وجدانياً لدى الشعب السوداني، يعززه انتشار خطاب الكراهية والعنصرية.
ولفت فتحي إلى أن شح السيولة النقدية من الجنيه تسبب في نشوء أسواق بديلة في دارفور يجري فيها التعامل بمختلف العملات، كما اعتمدت مناطق أخرى في إقليم دارفور على عملات أخرى في التعاملات اليومية، مما قلل من مركزية العملة المحلية كمصدر نقدي في الإقليم.
وقال إن العملات في دارفور أصبحت أمراً واقعاً وليس اختياراً، لكن له سلبيات أبرزها أن التاجر يستغل الأمر لصالحه، ويضع هامشاً من الربح يرضيه هو فقط، كما أن التحويل من الجنيه للعملات الأخرى مربك لغالبية الأهالي، لذلك يتحتم على المواطن معرفة أسعار العملات وعلاقتها بالجنيه.
وذكر أن هذا الوضع تسبب في مشكلات عميقة تتراوح بين ظهور الأسواق السوداء وتفاوت الأسعار بين مناطق دارفور، والاستغلال التجاري، وكلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين مما خلق فوضى معيشية.
تضييق الخناق
وتقف وراء هذه القرارات المتبادلة أبعاد ودوافع استراتيجية عميقة لكل طرف؛ فمن جهة الحكومة وبنك السودان المركزي، يقول أستاذ العلوم السياسية د. محمد إدريس إنه جرى اتخاذ خطوة تغيير العملة تدريجيًا لتحقيق جملة من الأهداف.
وفي مقدمة تلك الأهداف، وفقاً لإدريس خلال حديثه لـ”سودان تربيون”، معالجة مسألة الأموال المنهوبة من قبل قوات الدعم السريع والتي تتجاوز 400 تريليون جنيه وفق قوله، إضافة إلى وضع صبغة قانونية للجنيه بعد النهب الواسع للفئات النقدية من كل الأماكن مثل البنوك والمنازل والمتاجر وغيرها.
ونوه في الوقت نفسه، إلى أبعاد سياسية أخرى في إطار تضييق الخناق على الخصم في مناطق سيطرته، حيث سعى الجيش بتلك الخطوة، وفق رأيه، إلى منع تلك القوات من إقامة اقتصاد موازٍ خارج النظام المصرفي لتأمين المعاملات المالية، مما يمنع التصرف في الأموال المنهوبة وغسلها أو تداولها.
وفي مطلع يناير هذا العام، سارعت الإدارة المدنية التابعة لقوات الدعم السريع بالتعاون مع تحالف “تأسيس” إلى اتخاذ خطوات عملية لبناء نظام مصرفي موازٍ ونظام مالي مستقل لحماية اقتصادها.
وتجسد ذلك بالإعلان عن تأسيس “بنك المستقبل” أو ما عُرف بمجلس العملة والمؤسسات المالية التابعة لإدارة الدعم السريع، وإطلاق تطبيقات مالية رقمية بديلة لإتمام المعاملات التجارية بعيداً عن سلطة بورتسودان الإدارية.
ويحذر مراقبون من نشوء اقتصادين وعملتين في بلد واحد، حيث أصبح السودان مقسوماً نقدياً، يشمل مناطق العملة الجديدة (تحت سيطرة الجيش) تتوفر فيها السيولة لكنها تعاني من تضخم هائل جراء شح السلع القادمة من أقاليم الإنتاج، ومناطق العملة القديمة تحت سيطرة الدعم السريع التي ترفض الطبعة الجديدة، مما تسبب في تكدس الأوراق القديمة التي بدأت قيمتها الشرائية تنهار بسرعة الصاروخ مع فقدان قيمتها القانونية في الموانئ والولايات الآمنة.
وبين مطرقة الحصار المالي الذي تفرضه الحكومة عبر إلغاء الأوراق النقدية، وسندان الرفض والمقاطعة وبناء المؤسسات البديلة من قِبل الدعم السريع، تحول الجنيه السوداني من وسيلة للتبادل التجاري وحفظ القيمة إلى ساحة معركة سيادية، يدفع كلفة انقسامها الفوضوي المواطن العادي من قوته اليومي ومدخرات حياته.
sudantribune.net