سودان اندبندنت
مقال ⁄سياسي

جريمة بلفاست ورقة جديدة في جيب يمين أوروبا المتطرف: من التحذير الاستشرافي إلى فخ "أزمة الهوية"

جريمة بلفاست ورقة جديدة في جيب يمين أوروبا المتطرف: من التحذير الاستشرافي إلى فخ "أزمة الهوية"

بقلم: احمد النوش

يُعرف السودانيون، بطبيعتهم السجية، بأنهم من أكثر الشعوب مسالمةً، ونزوعاً نحو العيش الهادئ والانكفاء على الذات؛ إذ يحرصون تاريخياً على تجنب الصدامات والنأي بأنفسهم عن المشكلات مقارنةً بكثيرٍ من الجاليات الإفريقية والعربية الأخرى في دول الاغتراب الغربي. واليوم، باتت هذه السمعة الطيبة على المحك؛ فإن لم يتم تدارك الموقف سريعاً، سينفرط حبل الأمن والقبول، وسيندفع الغرب نحو تبني سياسة التعميم الأعمى، لا سيما وأن أزمة المهاجرين لم تغادر يوماً غرف صنع القرار الأوروبي، بل تضاعف حضورها مع الصعود المتنامي لتيارات اليمين المتطرف.
إن حادثة بلفاست في أيرلندا ستكون مادة دسمة للاستغلال من قِبل اليمين المتطرف في أيرلندا وبريطانيا، بل وربما يمتد أثرها إلى سائر أرجاء القارة الأوروبية إن لم تُبذل جهود حثيثة لتطويق تداعياتها. ونتيجة لذلك، يجد السودانيون في بريطانيا وأيرلندا أنفسهم اليوم بين شقّي رحى: صدمة الحرب المستعرة في بلادهم من جهة، والاضطرار لمواجهة مناخ سياسي واجتماعي يزداد عدائية وتشدداً تجاههم نتيجة هذه الحادثة المؤسفة من جهة أخرى. ومن هنا، كان العبء الأكبر وما زال يقع على عاتق الروابط والجمعيات السودانية في المهجر، للقيام بدور إعلامي وقانوني عاجل يوضح للعالم أن هذا السلوك الفردي المعزول لا يمثل بحالٍ قيم الشعب السوداني وأخلاقه.

ومع تطورات القضية ودخولها أروقة القضاء خلال الأيام الماضية، عاد الشارع ومنصات التواصل الاجتماعي ليعيش حالة من اللغط والتضارب الشديد، ولكن هذه المرة حول الهوية الحقيقية للمتهم؛ حيث تراوحت الأخبار والتقارير بين كونه سودانياً أو صومالياً.

في البداية، عندما انتشر اسم الجاني على أنه "هادي العبيد"، بدا الأمر طبيعياً ومقبولاً؛ فاسم "العبيد" اسم سوداني معروف وشائع جداً في مجتمعنا. لكن الجدل الحقيقي بدأ في اليوم التالي من التحقيقات، عندما تغير الاسم الأخير للمتهم في أوراق المحكمة الرسمية ليصبح "العديد" أو "العضيد"، وهنا علامة الاستفهام الكبرى؛ فاسم "العديد" أو "عيديد" لا وجود له في قاموس الأسماء السودانية، بل هو اسم صومالي خالص ومعروف. هذا التناقض دفع الكثير من المراقبين السودانيين إلى وضع فرضية منطقية، وهي أن المتهم قد يكون صومالي الأصل، لكنه حصل على الجنسية والجواز السوداني في عهد نظام "الإنقاذ" السابق، وهي الفترة التي كانت تُباع فيها الهوية والجوازات لغير السودانيين بسهولة شديدة كحال بيع "شرائح الهواتف النقالة".

وحتى الآن، ما زالت التحقيقات واقفة عند رواية واحدة، فالمتهم سوداني الجنسية حتى الآن بناءً على أوراق لجوئه الرسمية. ورغم أن السودانيين اليوم يتمنون من كل قلوبهم أن تثبت الأصول الصومالية للمتهم ليرتاحوا من هذا العبء، إلا أن القانون في النهاية صارم؛ فالقضاء وسلطات الهجرة لا يتعاملون بتحليل الحمض النووي (DNA) أو بشجرات الأنساب، بل يتعاملون فقط بالورق والوثائق الثبوتية التي يحملها الشخص.
في النهاية، يجب علينا أن نتجاوز هذا الجدل الضيق والهروب إلى الأمام؛ فالقضية أكبر بكثير من كونه سودانياً أو صومالياً. 

هذه الجريمة البشعة ستلقي بظلالها السيئة على جميع الجاليات المسلمة والعربية في الغرب، وسيتخذها اليمين المتطرف ذريعة للهجوم على كل المهاجرين، لذلك، لا فائدة من الاستمرار في "حك" الموضوع والبحث وراء الأصول؛ فالجريمة لا تمثل إلا صاحبها، والوضع القادم يتطلب منا الوعي بأن الضرر سيمس الجميع دون تفريق.

فالناس ما تقعد تحكها سوداني ولا صومالي.. الأمر سيان، وفي النهاية كلنا حناكلها!