
بقلم: احمد النوش
يتساءل المرء وهو يرقب المشهد السلوكي لشتات السودانيين في المهاجر: هل نحن حقاً ننتمي إلى شعب واحد؟ أم أن جغرافيا كسب العيش قد أعادت صياغة الجينات النفسية والسياسية للبشر، حتى غدونا مسخاً مشوهاً تتنازعه المحاور الإقليمية يمنة ويسرى؟
انظروا إلى المشهد بملء عين الحقيقة لتدركوا حجم الفاجعة؛ ففي البطولة العربية الأخيرة، وبعد أن خيّب منتخبنا الوطني كالعادة آمال جماهيره وخرج متذيلاً مجموعته مخلفاً وراءه حسرة وخيبة جديدة، لم ينكفئ الجمهور السوداني ليداوي جراحه الرياضية، بل تحول فجأة إلى "شيّال وطبّال" لجمهور الجزائر ضد الإمارات، ثم لجمهور المغرب ضد الإمارات! لدرجة جعلت السودانيين يحتفلون بفوز المغاربة بأكثر مما احتفل به المغاربة أنفسهم! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حين التقت الإمارات بالعراق في ملحق تصفيات كأس العالم، خرجت جموع غفيرة من السودانيين في السعودية ومصر تحتفل بهزيمة الإمارات وكأن السودان هو من انتصر وتأهل، وليس العراق! وهو تماماً ذات السيناريو المشين الذي تكرر في مدرجات الدوحة حين احتفل بعض السودانيين بهزيمة منتخب الإمارات أمام طاجيكستان — بلدٌ لا يعرف جلّهم موقعها على الخارطة — بأكثر مما احتفل به الطاجيك أنفسهم! ولأجل هذا الهوان والابتذال، لم يكن مستغرباً أن يخرج بعض المغردين الإماراتيين في مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات يملؤها السخرية والتهكم تلخص واقعنا المخزي، حين قالوا: "السوداني صار مثل اليتيم.. كل يوم يدور عن أب!".
وفي فضاءات "الميديا" داخل المملكة العربية السعودية، تنطلق الحناجر والمنشورات تفرط في التهليل والتطبير للجيش السعودي عقب واقعة حضرموت، وكأن الفيلق الذي يقاتل هناك هو جيشهم الذي حرر الأرض، وليس جيشاً لدولة شقيقة يمارس واجباته السيادية! كل هذا الحماس المفتعل والضجيج ليس حباً في هذا أو ذاك، بل هو مجرد تنفيسٍ رخيص لعداوة طاحنة ضد دولة الإمارات التي تدعم الميليشيا "الجنجويدية"؛ تلك الميليشيا التي خرجت أساساً من رحم جيشنا الوطني!
هذه الظاهرة ليست بطولة, بل هي تجسيدٌ فاضح لما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ "التشفي بالوكالة". إنها متلازمة "العاجز" الذي سُلبت منه إرادته وعجز عن حماية بيته وتطهير وطنه، فتحول نحو الانتصارات الوهمية، يستعير بنادق الآخرين ويقتات على منجزاتهم ليعوض مرارة انكساره وخيبته الوطنية. إننا نمارس دور "المرأة الصلعاء التي تتفاخر بشعر جارتها الطويل"، وهو أدق وصف لحالة العجز الجماعي التي نعيشها.
وفي المقلب الآخر، تكتمل فصول الملهاة والمأساة معاً؛ إذ يقف "سودانيو الإمارات" في نفاق بواح ومقزز، يبالغون في تقديس القيادة هناك، ويسكبون بحور المدح والثناء في احتفاليات باذخة تحت شعار "الإمارات تحب السودان"، لدرجة تقترب من ترفيع الأشخاص فوق مقامهم البشري! وإذا التمسنا العذر للخائف على لقمة عيشه وأمن أطفاله بالصمت والانكفاء، فما هو المبرر والمسوغ خلف هذه المزايدات الرخيصة والمديح المفرط لحكومة يعلم القاصي والداني دورها في محرقة الوطن؟
إنها آلية الدفاع الوقائي المفرط؛ حيث لم يعد الخوف ينتج صمتاً، بل بات ينتج نفاقاً استباقياً تتغير نبرته بتغير "الجيرة الاقتصادية". ولو قُدّر لهذا "المقدِّس" في أبوظبي أن ينتقل إلى الرياض أو الدوحة، لارتدى ثوب الشجاعة المستعارة وتفاصح بذات النبرة الردعية، ولو نُقل ذاك "المتفاصح" إلى الداخل الإماراتي لربما صار لحّاساً من الطراز الأول لقادة الدولة. المواقف تتبدل بتبدل كفيل لقمة العيش، وليست بالمبادئ الثابتة.
إن هذه السلوكيات المتناقضة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام "فلنقيات القرن الحادي والعشرين". لقد تحول جزء كبير من الشخصية السودانية تحت وطأة اللجوء والحاجة إلى أداة مستلبة، تحدد ولاءاتها وعداءاتها بناءً على جغرافية الرزق لا مصلحة الوطن. إنه النفاق والجبن والتملق في أبهى وأقبح صوره؛ شعب يعيش التبعية الفكرية والسياسية، ويتفشى في أعدائه بظهور الآخرين، متناسياً أن الأوطان لا تبنى بدموع التماسيح، ولا بحروب الوكالة في مدرجات كرة القدم أو منصات التواصل الاجتماعي.