سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

يا برهان.. من يحرس كرامة السوداني

يا برهان.. من يحرس كرامة السوداني؟

أحمد عثمان جبريل

❝ ليست المأساة في أن يفقد الإنسان وطنه، بل في أن يُطلب منه أن يثبت أنه يستحقه بعد أن فقده.❞

في لحظات التاريخ التي لا تُعلن عن نفسها بالضجيج، بل بانكسار الناس في صمت، لا يعود الوطن فكرة سياسية، بل يتحول إلى سؤال يومي عن الكرامة: أين تنتهي حدود الدولة، وأين تبدأ حدود الإنسان؟ ..

السودان اليوم لا يعيش أزمة عابرة، بل يعيش تحوّلًا عميقًا في معنى الوجود نفسه؛ إذ لم تعد الجغرافيا ثابتة، بل أصبحت حالة متحركة بين النزوح والمنفى، وبين الذاكرة وما تبقى منها حياً في الصدور..

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال عن السياسة وحدها، بل عن الإنسان الذي يدفع ثمنها كاملًا.

(1)

لم يخرج السوداني من بيته كما يخرج المسافر إلى وجهةٍ يعرفها، بل خرج كما يخرج الإنسان من لحظة انهيار لا تمنحه وقتاً لفهم ما يحدث.. في لحظة واحدة، تتحول البيوت إلى ذاكرة، والذاكرة إلى حقيبة، والحقيبة إلى حياة كاملة تُحمل على عجل.

ولا أحد يختار أن يغادر بيته بهذا الشكل، لأن المغادرة هنا ليست قراراً، بل نجاة مشروطة بالألم.

(2)

في المنافي الأولى، لا يُسأل الإنسان عن قصته قبل أن يُسأل عن أوراقه.. ولا تُقرأ ملامحه قبل أن تُقرأ أختامه.. يتحول السوداني إلى كائن معلّق بين تعريفين:

موجود في الواقع، لكنه غير مكتمل الاعتراف في النظام.

وهكذا تصبح الحياة نفسها تحتاج إلى “إثبات حياة”.

(3)

في مصر، حيث وجد آلاف السودانيين أنفسهم فجأة داخل جغرافيا جديدة، لا ينبغي اختزال المشهد في زاوية واحدة.. فمن حق الدولة المصرية، كامل الحق، أن تنظّم وجود من يدخل أراضيها، وأن تدقق في الإقامة، وأن تضبط حدودها وفق قوانينها وسيادتها.. فذلك من أبسط معاني الدولة..

لكن السيادة لا تنفصل عن الالتزام، بل تكتمل به.

فمصر، بوصفها دولة موقعة على الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين، وباعتبارها طرفاً في منظومة القانون الدولي الإنساني، مُطالبة بأن تُمارس حقها السيادي بطريقة لا تنتقص من كرامة الإنسان الذي لجأ إليها مضطراُ.

ثم إن العلاقة بين السودان ومصر ليست علاقة عابرة بين دولتين، بل نسيج تاريخي واجتماعي ممتد، تعززه الجغرافيا ويثبّته التاريخ، وتترجمه اتفاقات رسمية، كان من أبرزها اتفاق (الحريات الأربع) الذي أسّس لمبدأ حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك بين الشعبين.. وحين تضيق الممارسة عن روح هذا الاتفاق، يصبح السؤال مشروعًا: أين انتهى النص، وأين غابت روحه؟

(4)

يا برهان..

المسألة ليست خطاباُ سياسياً، بل سؤال دولة: من يحمي كرامة المواطن حين يخرج من حدود وطنه؟.. ومن يعيد تعريف حضوره الإنساني حين يتحول إلى رقم في نظام آخر؟

ومن يمنع أن يصبح المنفى تعريفاً دائماً له؟.. الدولة لا تُقاس فقط بوجودها داخل حدودها، بل بامتداد مسؤوليتها نحو مواطنيها أينما اضطروا للوجود.

(5)

ثم تأتي اللحظة الأكثر قسوة ..

قضية المعدنين السودانيين الذين قُتلوا على الحدود ليست حادثة عابرة، بل سؤال مكشوف عن معنى السيادة نفسها..

فالحدود ليست فقط خطوطاُ تفصل الجغرافيا، بل خطوطاً تختبر معنى الحماية..

وحين يُقتل إنسان، لا يكون السؤال الأول: ماذا كان يفعل هناك؟ .. بل: أين كانت منظومة الحماية التي يفترض أن تمنع موته أصلاُ؟

إن تحويل الضحية إلى موضوع مساءلة قبل مساءلة الواقعة نفسها، خلل في ميزان العدالة، قبل أن يكون خللًا في السياسة.

(6)

في الداخل، هناك من يعيش الحرب يوماُ بيوم.. وفي الخارج، هناك من يعيش المنفى يوماً بيوم.

وفي الحدود، هناك من يدفع ثمن لحظة لا يملك تفسيرها.. لكن المشترك بينهم جميعاً أنهم يحاولون ألا يُختزلوا.. يحاولون ألا يتحولوا إلى أرقام، أو ملفات، أو أخبار عابرة.

يحاولون فقط أن يبقوا بشرًا.

(7)

ومع ذلك، يبقى السؤال الأكبر معلقاُ فوق كل التفاصيل: هل تبقى كرامة الإنسان حقاُ ثابتاً في كل الظروف، أم تتحول إلى قيمة مؤجلة حتى إشعار آخر؟

الدولة تُقاس لا بما تعلنه في خطابها، بل بما تحميه حين تشتد العاصفة..

والتاريخ لا يتوقف عند ما قيل، بل عند ما بقي من أثر القول في حياة الناس.

يا برهان..

لن يسألك التاريخ عن حجم الخطابات، ولا عن كثافة البيانات، بل عن سؤال واحد بسيط وثقيل في آنٍ واحد: “ماذا حدث لكرامة السوداني حين اشتدت عليه الجغرافيا، وتعددت حوله السلطات، وتفرقت عنه الحماية؟”

قد تُعاد الإعمار للمدن، وقد تُفتح الطرق، وقد تُوقّع الاتفاقيات، لكن ما لا يُعاد بسهولة هو الإنسان حين ينكسر داخله معنى الكرامة.

وحينها فقط، لا تعود الدولة فكرة سياسية، بل تصبح اختباراً أخلاقياً كاملاُ .. ينجح فيه من يحرس الإنسان قبل أن يحرس الحدود.. إنا لله ياخ .. الله غالب.

ومضة أخيرة..

أفقٌ يترفق باتساعه.. لا ليهدئ المعنى، بل ليحفظ للإنسان حقه في أن يُرى كاملاً حين تتكسر الرؤية، وأن يُسمع حين يعلو الصمت.. وحين تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ.

altaghyeer.info