سعر المليشيات مقابل الوطن
أمل محمد الحسن
هناك رواية قديمة شاعت في الأوساط السياسية السودانية ومنصات التواصل الاجتماعي تقول إن مبارك الفاضل عندما انشق عن حزب الأمة وشغل منصب مساعد رئيس الجمهورية سأل عوض الجاز الذي كان وزيرا للنفط وقتها عن أموال البترول التي على الرغم من كثرتها لم تظهر في التنمية، فرد عليه الجاز بأنهم يشتروا بها أمثاله!
على الرغم من عدم وجود إثبات على تلك الرواية؛ إلا أن الحقيقة الماثلة هي أن السودان ظل طوال عهد المخلوع البشير وعلى الرغم من موارد النفط والذهب وكل الثروات الزراعية والحيوانية والغابية؛ دولة مثقلة بالديون، شوارعها كالحة متسخة فيما تذيلت البلاد كافة قوائم الفساد والفقر وانعدام الحريات.
اعتمد النظام على الأجهزة الاستخباراتية في إحداث الانشقاقات داخل الأحزاب السياسية وشراء الولاءات بالمقابل المالي والمناصب السيادية حتى تكاثرت الأحزاب عبر انشطارات اميبية فصار كل حزب له اسمين وثلاثة، وكل كتلة سياسية حملت أكثر من اسم بصورة شتت الانتباه وأربكت الجمهور بين “الأصل” و”الصورة”!
لم تقتصر الانشقاقات على الأجسام السياسية فحسب؛ بل انسحبت بشكل كبير وخطير على جميع الحركات المسلحة حتى ضاعت المبادئ الجوهرية التي حمل بسببها “الرفاق” السلاح، وأصبحت الاصطفافات سوق كبير ينحاز فيه المسلحون إلى من يدفع أكثر!
حرب 15 أبريل وما حملته من انشقاقات لحركات مسلحة وانحيازات قبلية ليست استثناء ولا حوادث منعزلة بل هي امتداد طبيعي لتاريخ طويل من شراء ولاءات حملة السلاح بغرض إضعاف الطرف الآخر والمحادثة المسربة “للسافنا” هي مجرد إثبات لوجود تلك الصفقات، الأمر الجديد في هذه القصة فقط هو وجود طرف آخر يقدم المال ما يعكس تعقد المشهد بوجود لاعبين إقليميين يتدخلون حتى في شراء ولاء البندقية ضمن تدخلهم في إدارة الحرب وتصعيدها واستمراريتها.
الانشقاقات التي تحدث داخل صفوف القوات المتقاتلة سواء كانت تمثل هذا الطرف أو ذاك هي مجرد فرقعات إعلامية وانتصارات سياسية ومعنوية لا علاقة لها بالميدان العسكري، وهو أمر أثبت التاريخ عدم جدواه، لكن وجودها تمثل حقيقة وجود ثقب أسود كبير ساحر يبتلع المال الذي يجب أن يذهب لسد رمق الجوع والتعليم وتوفير العلاج وبناء الدولة المتهاوية.
خلال حرب الجنوب أحدث نظام المخلوع “البشير” انشقاقات كبيرة وخطيرة في صفوف الحركة الشعبية بقيادة “جون قرنق” كان لها أثر كبير في زراعة الفرقة داخل الحركة امتدت آثاره حتى اليوم. ضمت قائمة الانشقاقات عدداً كبيراً من أهم الجنرالات العسكريين والقادة السياسيين؛ أبرزهم فاولينو ماتيب ورياك مشار، ووكوريبينو كوانين وعبد الله شول، كما أسست حكومة الخرطوم عددا من المليشيات القبلية التي قاتلت في صفوف الجيش السوداني. لكن هذه الانشقاقات لم توقف الحرب ولم تمنح الجيش السوداني انتصارا ساحقا ضد الحركة الشعبية؛ بل على العكس أطالت أمد الصراع الذي انتهى بفصل الجنوب ليبدأ مسلسلا جديدا من الحروب القبلية وحروب المليشيات في النصف المبتور!
الحرب الحالية فتحت شهية سوق “الارتزاق” حيث صار تكوين المليشيات أكبر تجارة في “سوق الأعمال العسكرية” بينما تشظت الحركات المسلحة في الطرفين المتقاتلين، وحدثت الانقسامات الكبرى في صفوف قوات الدعم السريع التي انشق عنها “كيكل” و”النور قبة” ومؤخرا “السافنا”، كما طالت الانشقاقات الحركات المسلحة التي اصطفت إلى جانبه، حيث تم استبدال مقعد الهادي إدريس في مجلس السيادة ب”صلاح رصاص” ومنح مقعد “الطاهر حجر” لقائد الفصيل المنشق عن حركته “عبد الله يحيى” إلى جانب تصدعات معلنة ومكبوتة في صفوف الحركة الشعبية جناح الحلو.
على الرغم من التماسك المعقول في صفوف الجيش السوداني إلا أن الحركات المسلحة المتحالفة معه عانت من تآكل لصالح الدعم السريع؛ وظهر الانشقاق في حركات “عقار” و”تمبور” كما انسلخ “سليمان صندل” عن حركة العدل والمساواة بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم وطال التشظي حتى الحاضنة السياسية الموالية لبورتسودان وظهر هذا جليا في الاجتماعات الإقليمية التي حدثت خلال الشهر الجاري في أديس أبابا.
هناك كتابات مهمة حول شراء الولاءات في عهد البشير مثل كتاب “اليكس دي وال” عن سوق الأعمال السياسية، لكن لم يقم أي شخص بفتح ملف الانشطارات العسكرية ويحسب المقابل المادي الذي تم تقديمه لكل قائد ولكل مليشيا لجهة أن كل هذه الصفقات تتم تحت الطاولة؛ خارج الموازنات الرسمية وبعيدا عن المراجعات القانونية!
أما ملف شراء ولاءات الأسلحة في حرب الخرطوم؛ سيكون ملفا يصعب تتبعه لتداخل الفاعلين الإقليميين كممولين ومقاتلين أيضا! بوجود مرتزقة من كل دول العالم، اثيوبيين وجنوب سودانيين ومن دول لم يعتد المواطن السوداني التعامل معهم أو التحدث بلغتهم من روس وأوكرانيين وكولومبيين وجنسيات غير مرصودة.
على أي حال؛ أثبت التاريخ فشل الانشقاقات في حسم الصراع لصالح طرف، وأجمع العالم كله على أن الحرب الحالية لا يمكن أن تحسم عسكريا، لكن هل هناك من يستطيع أن يقوم برصد كامل لسوق المليشيات؛ ما تم دفعه مقابل كل فصيل متحالف أو فصيل منشق؟ هل يا ترى يمكن حساب جميع تلك الأموال وما يمكن أن تفعله في مستقبل السودان حال تم توجيهها للصحة والتعليم والتنمية؟ حتى يقتنع الناس أخيرا بأن الحرب هدر لكل شيء!
altaghyeer.info