
أمستردام: 25 يونيو 2026:راديو دبنقا
تسبب اقتصاد الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 في إهدار موارد البلاد، وحرمان المواطنين من الخدمات الأساسية (كالصحة والتعليم) في جميع أرجاء البلاد، وذلك بسبب توجيه الموارد لدعم القوى العسكرية المتصارعة. كما أدى هذا الاقتصاد إلى صعوبة الوصول إلى حل سلمي للصراع؛ نظراً لوجود أطراف مستفيدة مالياً وتجارياً من استمراره.
ويرى الدكتور سليمان بلدو، رئيس المرصد السوداني للشفافية، في ندوة عبر الوسائط الإلكترونية، أن اقتصاد الحرب (ما بعد عام 2023) اتسم بانقسام السودان إلى مناطق سيطرة تابعة للقوات المسلحة وأخرى لقوات الدعم السريع، حيث تستفيد كل جبهة من موارد منطقتها لدعم مجهودها الحربي.
وفقاً لبلدو، تهيمن قوات الدعم السريع على الأنشطة التجارية وتهريب المنتجات التقليدية إلى دول الجوار، بجانب سيطرتها على جمع الجبايات والضرائب في الطرق والأسواق. وأشار أيضاً إلى تشكيل جهاز مصرفي بديل (مثل تثبيت تداول العملة القديمة)، وتأسيس بنوك جديدة، ومحاولات لإنشاء بورصات وأنظمة لجمع الضرائب بواسطة ما يسمى “حكومة التأسيس”.
أما في مناطق سيطرة القوات المسلحة، فيرى الدكتور سليمان بلدو أن السلطات وجهت جميع إيرادات الدولة لدعم المجهود الحربي. كما احتكرت شركات معينة ضمن منظومة الصناعات الدفاعية صادرات المنتجات الزراعية والحيوانية إلى مصر، واستحوذت على معظم عائدات الذهب.
وأوضح بلدو أن هذا الوضع أدى إلى حرمان المواطنين من الخدمات الأساسية، وتسبب في انهيار مؤسسات الدولة وظهور أنظمة موازية؛ حيث أسفر الصراع عن عجز الدولة عن تقديم خدماتها، وبروز حكومتين وأنظمة اقتصادية ومصرفية متنازعة.
وأكد أن المشهد الحالي لاقتصاد الحرب في السودان هو تتويج لتاريخ طويل من الهيمنة السياسية والاقتصادية على الموارد، والتهميش، وتسلط الأجهزة العسكرية على اقتصاد البلاد، مما أدى إلى كارثة إنسانية واقتصادية يتحملها المواطن السوداني بالدرجة الأولى. وأشار إلى هيمنة القطاع الأمني والعسكري على الموارد قبل اندلاع الحرب -خاصة التعدين، والنفط، والنقل، والاتصالات، والقطاع المصرفي- مما خلق منافسة حادة بين الإمبراطورية المالية للجيش وتلك الخاصة بالدعم السريع.
من جانبها، تقول عائشة حمد، من مبادرة “شركاء التنمية”، إن الأسباب الرئيسية لاستمرار الحرب في السودان لا تعود إلى عدم رغبة السودانيين في إيقافها أو استحالة التسوية، بل لوجود أطراف مستفيدة مالياً وتجارياً منها. وأشارت إلى أن الدبلوماسية باتت مشلولة لأن أطراف النزاع وداعميهم الإقليميين يربحون من استمرار القتال.
وأضافت أن العوامل الرئيسية التي تغذي اقتصاد الحرب تتمثل في الذهب كشريان للتمويل. ووفقاً للتقارير، يمثل الذهب الدخل الأساسي لأطراف النزاع عبر شبكات عابرة للحدود تضم مهربين وتجاراً وحكومات خارجية.
وتابعت :”تحصل قوات الدعم السريع على ما بين 500 مليون ومليار دولار سنوياً من مناجم دارفور، في حين يتم تهريب 60% من إنتاج الولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر إلى مصر بإشراف القوات المسلحة.
وأوضحت أن الإمارات تستورد 90% من صادرات السودان من الذهب (بحسب بيانات الربع الأول 2024)، وتُعد المركز الرئيسي لتجارته.
وذكرت عائشة حمد أن الأطراف المتحاربة تتلقى أسلحة متطورة مقابل هذه الموارد؛ حيث حصلت القوات المسلحة على إمدادات عاجلة وطائرات مسيرة من إيران مقابل منحها مركزاً لوجستياً في البحر الأحمر، كما تحظى بدعم من مصر. في المقابل، تلقت قوات الدعم السريع أجهزة ومعدات عسكرية مدعومة من الإمارات.
حددت عائشة الأطراف المستفيدة كالتالي:الإمارات ومصر: الإمارات بوصفها المستورد الأول للذهب السوداني (رسمياً وغير رسمي)، ومصر التي يمر عبرها جزء كبير من هذا الذهب وتصدره للإمارات، فضلاً عن استيرادها للثروة الحيوانية.ليبيا (قوات حفتر): تعمل على تسهيل تهريب الأسلحة والوقود والمقاتلين، وتستورد الثروة الحيوانية. وقد رُصد تهريب واسع للوقود من شرق ليبيا إلى السودان لصالح القوات المسلحة بمعدل نصف مليون برميل أسبوعياً بجانب تشاد والسعودية.
يغذي الصمغ العربي اقتصاد الحرب بعد سيطرة الدعم السريع على مناطق إنتاجه في كردفان ودارفور، حيث قُدرت قيمة المنهوب منه بـ 14.6 مليون دولار بين يناير ويونيو 2024. أما بشأن الثروة الحيوانية، فُفرضت رسوم غير رسمية على القطعان المتجهة لأسواق الخليج (السعودية)، مما يدر أموالاً طائلة على أطراف الحرب.
وتدعو عائشة حمد إلى مارسة ضغوط دولية مكثفة على أطراف النزاع، خاصة من الولايات المتحدة ومصر والإمارات. وشددت على كسر الارتباط الوثيق بين تجارة الذهب وتدفق الأسلحة كما طالبت بفرض عقوبات موجهة على الكيانات المتداولة للذهب لوقف تحويل عوائده إلى سلاح، وتشكيل تحالف فعال ومشاركة إقليمية لمواجهة اقتصاد الحرب.
من جانبه، قال منعم آدم من المركز الدراسات الاجتماعية والبيئية إنه مع تنامي اقتصاد الحرب، تزيد الحاجة إلى استحداث آليات لتحقيق المساءلة عن انتهاكات الموارد في السودان، مشيراً إلى تحديات جمة تتعلق بجمع الأدلة وسلامة الأفراد.
وأكد ضرورة بناء نظام مساءلة قوي يعتمد على الأدلة الموثوقة والربط الدقيق بين الانتهاكات والجهات الفاعلة، مع الاستفادة من النماذج القضائية الدولية ومتابعة الشركات. ودعا إلى ربط الانتهاكات بالمستفيدين، خاصة الذهب المرتبط مباشرة بتجارة السلاح، مع ضرورة رصد الانتهاكات البيئية والاجتماعية الناتجة عن أنشطة التعدين.
وأشار آدم إلى أمثلة حية للانتهاكات، منها:الانتهاكات ضد النساء والعمال في مناطق التعدين، الانتهاكات البيئية الخطيرة، مثل تلوث المياه والأرض الذي أدى إلى نفوق المواشي ووفيات الأجنة في جنوب كردفان، نزع الأراضي والانتهاكات المرتبطة بالعمالة والسدود.
ونبه إلى أن جمع الأدلة للمحاكم الدولية يتطلب جهداً كبيراً وتقنيات متقدمة،. كما أشار إلى تحديات كبيرة تواجه المحكمة الجنائية الدولية بسبب التغيرات التكنولوجية وصعوبة تنسيق الأدلة وتكييفها لتناسب اختصاص الآلية القضائية (إقليمية، دولية، محلية).
واستشهد بنماذج لآليات المساءلة الممكنة، مثل قضية بنك BNP Paribas الفرنسي الذي غُرِّم لتورطه في تسهيل الصراع بدارفور، مما يؤكد إمكانية مساءلة المؤسسات المالية الدولية وسلاسل التوريد عبر “الاختصاص القضائي العالمي”.
وشدد منعم آدم على أن سلامة جامعي الأدلة على الأرض تعد أولوية قصوى تتقدم على جمع الأدلة نفسه، محذراً من التسرع أو تقديم وعود غير واقعية بالعدالة للمتضررين؛ لكي لا يتعرضوا للإحباط أو المخاطر الأمنية.
من جهته، قال محمد عبد العزيز، ممثلاً لنقابة الصحفيين، إن الحرب لا تُدار بالأسلحة فقط، بل بسلاح المعلومات والتضليل أيضاً؛ فالحرب لها جبهتان: عسكرية (بالسلاح والجنود)، ومعلوماتية (لتتبع تدفقات الأموال وتفكيك التضليل).
وذكر أن الصحفيين كانوا أولى ضحايا الحرب؛ إذ سُجل أول انتهاك ضدهم في أول ساعة ونصف من اندلاع القتال، مما يؤكد استهداف الحقيقة. وأشار إلى وجود “اقتصاد معلوماتي” قائم على الانتشار والتأثير، حيث تُقاس قيمة الرواية بقدرتها على التعبئة وتشويه الخصم، منبهاً إلى استغلال الخوارزميات لتعزيز انتشار بعض المحتويات لأغراض تجارية وسياسية.
وأفاد بتقرير لمؤسسة “تومسون فاونديشن” يوضح أنه بين سبتمبر وأكتوبر 2023، تم تصميم 6,800 منشور تلاعب احترافي استهدف أكثر من 890 مليون مستخدم على وسائل التواصل الاجتماعي في السودان
وأضاف أن تقنيات الذكاء الاصطناعي عززت من قدرات التضليل، مما جعل إنكار الحقائق وتغييب الأدلة أمراً سهلاً، في وقت تُستغل فيه بعض المؤسسات الإعلامية لخدمة أطراف النزاع، وحجب الفساد، وشراء الولاءات.
لفت عبد العزيز إلى التحديات التي تواجه الصحفيين، ومنها: صعوبة التحقق من البيانات المغلوطة المصممة عمداً للتضليل، والاستهداف المباشر (قتل، إصابة، اعتقال)، فضلاً عن امتداد الانقسام المجتمعي إلى داخل غرف الأخبار.
ودعا إلى الانتقال من مجرد سرد الأخبار إلى الصحافة الاستقصائية القائمة على البيانات، وتبسيط المعلومات الاقتصادية المعقدة وتحويلها إلى أدوات بصرية ملموسة يفهمها المواطن وصانع القرار.
ويؤكد على ضرورة كسر تمويل الحرب عبر كسر دائرة الإعلام الذي يُشرعن خطابها. داعيا لتأسيس تحالف أو شبكة إعلامية تمارس الرقابة وتقود حملات المناصرة للضغط على اقتصاد الحرب.
dabangasudan.org