سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

أرامل ونساء معيلات في مناطق النزوح بعيدا عن المساعدات

الخرطوم 26 يونيو 2026 – تعيش ألاف النساء في مراكز الإيواء المكتظة ومناطق النزوح الطرفية بالسودان واقعاً ثقيلاً فرضته الحرب، بعد أن فقدن الأزواج والمنازل ومصادر الدخل في وقت واحد. 

وتتصدر أخبار المعارك والعنف المشهد، بيننا تبقى معاناة هؤلاء النسوة في الهامش، رغم أن كثيرات منهن أصبحن المعيل الوحيد لأسر كاملة.

منذ اندلاع الحرب، توسعت دائرة الفقر والنزوح ووجدت كثير من النساء أنفسهن في مواجهة يومية مع الجوع والعمل الشاق وانعدام الحماية، حيث يواجهن مخاطر الاستغلال الاقتصادي والتحرش والعمل غير الآمن، في ظل ضعف الوصول إلى المساعدات الإنسانية.

وتروي نساء تحدثن لـ لسودان تربيون بأسماء مستعارة تفاصيل حياة قاسية، حيث يصبح البقاء هو الهدف الوحيد، مهما كان الثمن.

فقدان المعيل

تقول “أم محمد” (اسم مستعار)، تبلغ من العمر 39 عاماً، نازحة من الخرطوم: “بعد مقتل زوجي في بداية الحرب، أصبحت مسؤولة عن خمسة أطفال وحدي. أعمل في بيع الشاي منذ الصباح حتى المساء، وأحياناً لا أعود بأي دخل. لم أعد أفكر في شيء سوى كيف أوفر وجبة واحدة يومياً لأطفالي. ابني الأكبر ترك المدرسة ليعمل في السوق”.

أما معاناة سلمى حسن (اسم مستعار)، تبلغ من العمر 32 عاماً، نازحة من الجزيرة، لا تقل عن سابقتها حيث نزحت مع أطفالها بعد اختفاء زوجها، وأضافت لسودان تربيون “لا أعرف إن كان حياً أم ميتاً. أعمل في تنظيف المنازل وأحياناً أتعرض لكلام جارح فقط لأنني امرأة وحدي”. وأفادت أنه لا أحد يتحدث عن النساء اللواتي يعملن بصمت للبقاء على قيد الحياة.

من جانبها ذكرت آمنة (اسم مستعار) تبلغ من العمر 45 عاماً، نازحة في مركز إيواء“ابنتاي توقفتا عن الدراسة لأننا لا نستطيع توفير أبسط الاحتياجات. نعيش رزق اليوم باليوم داخل مركز الإيواء”. 

وأوضحت أنها تخاف على مستقبل أطفالها أكثر من خوفها على نفسها.

وتقول هدى (اسم مستعار) البالغة من العمر 28 عاماً، نازحة من دارفور إنها تعمل طوال اليوم فقط لتأكل، وتضيف لسودان تربيون أنها تغسل الملابس وتحمل المياه مقابل مبالغ بسيطة جداً، وتتابع قائلة إن “الحرب لم تأخذ بيوتنا فقط، بل أخذت كرامة العيش المستقر”.

انتهاكات خفية

تقول ناشطات في المجال الإنساني إن النساء النازحات يواجهن اشكالات متعددة من الاستغلال، خاصة في بيئات العمل غير الرسمية ومراكز الإيواء، حيث تزداد المخاطر مع غياب الرقابة والحماية.

وتقول منسقة المكتب النسوي لغرفة طوارئ شرق النيل بولاية الخرطوم هند الطائف إن المبادرات النسوية تلعب دوراً محورياً وأساسياً في دعم النساء عموماً والنازحات والمعيلات خصوصاً في ظل الانهيار الكبير في الخدمات الأساسية وضعف الاستجابة الإنسانية في كثير من المناطق.

وتضيف لسودان تربيون أن عددا كبيرا من مواقع النزوح، كانت النساء والمنظمات والمبادرات التي تقودها النساء من أوائل الجهات التي تدخلت لتقديم الدعم المباشر، سواء عبر توفير الغذاء، أو الدعم النفسي، أو المساحات الآمنة، أو المساعدة في الوصول للخدمات الصحية والاحتياجات الأساسية.

وتوضح أن هذه المبادرات اقتصرت على الوصول إلى النساء الأكثر هشاشة، خاصة النساء المعيلات والحوامل والناجيات من العنف والأطفال وذلك بحكم قربها من المجتمعات المحلية وفهمها للسياق واحتياجات النساء بشكل مباشر.

وتذكر أن دور المبادرات النسوية لم يقتصر على تقديم المساعدات فقط، بل امتد ليشمل بناء شبكات حماية مجتمعية، وتنظيم جهود الاستجابة داخل الأحياء ومراكز الإيواء، والمساهمة في تقليل المخاطر التي تواجه النساء أثناء النزوح والحرب.

وتقر المنسقة بوجود  تحديات كبيرة ومعقدة تواجه الوصول إلى النساء الأكثر تضرراً، خاصة داخل مراكز الإيواء والمناطق الطرفية، في ظل التدهور المستمر للأوضاع الإنسانية والأمنية. 

ومن أبرز هذه التحديات هي ضعف التمويل وقلة الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وصعوبة الحركة والوصول بسبب الوضع الأمني وتدهور البنية التحتية وضعف وسائل النقل والأوضاع المعيشية القاسية داخل مراكز الإيواء والمناطق الطرفية، إلى جانب ضعف الخدمات الأساسية ونقص المعلومات.

وتشير إلى التحديات المرتبطة بالحماية، حيث تخشى بعض النساء الإفصاح عن احتياجاتهن أو الإبلاغ عن الانتهاكات بسبب الوصمة المجتمعية أو غياب آليات حماية آمنة وفعّالة وضعف إشراك المبادرات المحلية والنسوية في آليات التنسيق والاستجابة الإنسانية، رغم أنها غالباً الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتأثرة وفهم احتياجات النساء بشكل مباشر.

وتؤكد أنه رغم هذه التحديات، تواصل المبادرات النسوية والجهود المجتمعية العمل في ظروف بالغة الصعوبة لضمان وصول الدعم للنساء الأكثر هشاشة، إلا أن ذلك يتطلب دعماً أكبر وتمكيناً حقيقياً للفاعلين المحليين لضمان استجابة أكثر فاعلية واستدامة.

كما تشير شهادات ميدانية إلى أن الدعم النفسي والاجتماعي للنساء شبه غائب، رغم تزايد حالات الصدمات النفسية المرتبطة بالفقد والنزوح والخوف المستمر.

أوضاع سيئة

في ذات السياق تقول عضوة التنسيقية النسوية الموحدة لوقف الحرب، أماني إدريس علي بشير، إن أوضاع النساء في السودان “سيئة للغاية”، في ظل غياب الدخل المادي وانعدام السكن الآمن.

واعتبرت أن الحصول على الغذاء والمياه يمثل تحدياً يومياً كبيراً يواجه النساء، إلى جانب صعوبات متزايدة في توفير التعليم والعلاج لأسرهن.

وأوضحت أماني إدريس لسودان تربيون أن النساء يواجهن أيضاً انعداماً حاداً للأمن، مع تعرض بعضهن للاستهداف المباشر من قبل أطراف الحرب والقوى المتحالفة معها، ما يزيد من هشاشة أوضاعهن.

وأضافت أن بعض النساء يتعرضن كذلك لـ”ابتزاز واستغلال من ضعاف النفوس في المجتمع”، في ظل بحثهن عن سبل لتأمين احتياجات أسرهن وتحسين ظروف المعيشة.

وأشارت إلى ما وصفته بعودة تطبيق قوانين “ظالمة” بحق النساء في ظل الوضع القائم، إلى جانب استمرار الانتهاكات التي تطال حقوقهن المدنية والاجتماعية والقانونية.

واعتبرت أن منظومة إنفاذ القانون في بعض مناطق النزاع أصبحت، بحسب تعبيرها، “طرفاً في تكريس الظلم والانتهاكات التي تتعرض لها النساء”.

تصاعد العنف الجنسي

في ذات الصعيد قالت المحامية المتخصصة في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي انعام عتيق إن الحرب في السودان شهدت تصاعداً واسعاً في جرائم العنف الجنسي ضد النساء، خاصة في دارفور وجنوب كردفان والخرطوم والجزيرة، مؤكدة أن هذه الانتهاكات تُمارس بصورة ممنهجة كأداة للإذلال وبث الرعب والتهجير القسري، وليست مجرد ممارسات فردية معزولة.

وأوضحت أن أنماط الانتهاكات شملت الاغتصاب والاختطاف والاستعباد الجنسي والزواج القسري والاستغلال الجنسي، إضافة إلى حالات اختفاء قسري واتجار بالنساء والفتيات، مشيرة إلى أن تقارير عدة وثقت تورط طرفي النزاع؛ القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في ارتكاب انتهاكات جنسية خلال الحرب.

وأضافت أن غياب الأمن وتوقف عمل الشرطة والمحاكم، إلى جانب الخوف من الوصمة الاجتماعية وضعف الثقة في أجهزة العدالة، كلها عوامل أعاقت وصول الناجيات إلى العدالة أو الإبلاغ عن الانتهاكات.

وأكدت أن القوانين السودانية تتضمن نصوصاً تُجرّم العنف الجنسي وبعض الجرائم المرتكبة أثناء النزاعات، لكنها شددت على أن ضعف تطبيق القوانين وغياب الإصلاحات القانونية الفاعلة واستمرار الإفلات من العقاب يحدّ من فرص محاسبة المتورطين وإنصاف الضحايا.

كما انتقدت غياب نصوص قانونية واضحة تتعلق بمسؤولية القادة عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم، إلى جانب ضعف تدابير حماية الشهود والناجيات، معتبرة أن ذلك يحد من فرص المساءلة ويؤدي إلى إحجام كثيرين عن الإدلاء بشهاداتهم خوفاً من التهديد أو الانتقام.

وأشارت إلى أن غياب الشرطة والنيابة وتوقف المحاكم في مناطق النزاع شكل عائقاً أساسياً أمام وصول الضحايا إلى العدالة، موضحة أنه رغم صدور قرار من النائب العام يسمح بتقييد البلاغات المتعلقة بانتهاكات قوات الدعم السريع دون التقيد بالاختصاص المكاني، فإن عدد البلاغات المقيدة ظل محدوداً مقارنة بحجم الانتهاكات الموثقة من قبل منظمات حقوقية وشبكات دعم الضحايا.

وفي ختام حديثها، أكدت انعام عتيق أن استمرار الإفلات من العقاب في السودان أسهم في إطالة أمد النزاعات وتجدد دوائر العنف، داعية إلى اتخاذ تدابير فعالة لضمان محاسبة المتورطين وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة والإنصاف بصورة حقيقية.

بين الخيام والأسواق الطرفية ومراكز الإيواء، تستمر “نساء الظل” في حمل أعباء الحرب وحدهن، في صمت ثقيل لا يصل إلى عناوين الأخبار. ومع استمرار النزاع، تبقى معاناتهن جزءاً من حرب غير مرئية، تدور رحاها كل يوم بعيداً عن الكاميرات، لكنها تترك آثارها العميقة في تفاصيل الحياة اليومية.

sudantribune.net