صادراتنا تنزف.. أزمة متكاملة لا تآمر بسيط
عمر سيد أحمد
في وقت يواجه فيه السودان أصعب أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث — حرب مستعرة، جنيه منهار، وحاجة ماسة لكل دولار — تكشف سياسات تحصيل عوائد الصادر، إلى جانب نزيف الذهب المستمر، عن منظومة متهالكة تستدعي وقفة جادة وتشخيصاً دقيقاً، لا اتهامات مبسّطة.
كان منشور بنك السودان المركزي الصادر في ديسمبر 2021 يُلزم المصدرين عبر المعابر البرية بتحصيل قيمة صادراتهم مقدماً. لكن في مارس 2022 جاء منشور آخر ألغى هذا الشرط، وفتح المجال لطرق دفع أكثر مرونة (كالتحصيل المستندي مقابل القبول) تتيح للمصدر استرداد حصيلته بعد فترة سماح تصل إلى 90 يوماً. والمفارقة أن هذه الضوابط المرنة لم تُراجَع حتى بعد اشتداد الحرب، بل تكررت في منشورات لاحقة امتدت إلى عام 2026.
من العدل التوضيح أن هذا التساهل لم يأتِ من فراغ، بل في سياق أزمة مصرفية حقيقية ومتفاقمة:
عزلة مصرفية متجددة: عاش القطاع المصرفي السوداني عزلة طويلة بين 1997 و2017، مُنع خلالها من التعامل مع النظام المصرفي العالمي، وخصوصاً بالدولار، وتوقفت التحويلات وجفّت الاستثمارات وباتت التجارة الخارجية معتمدة على وسطاء خارجيين وتكلفة تمويا عالية وصلت الى 12 فى المائة وتحويلات بالظل عن طريق الصرافات فى دول الخليج . ومع عقوبات أمريكية جديدة فُرضت في يونيو 2025، عادت الأزمة بصورة أكثر حدة.
هبطت العقوبات على بلد منقسم جغرافيا وادارياً ودولة متصدّعة وبنوك منهارة لم تسدد رواتب موظفيها منذ شهور ، وتعجز عن فتح اعتماد مستندي لاستيراد دواء أو دقيق او سكر ، وشملت قيوداً على وصول السودان إلى خطوط الائتمان الحكومية الأميركية.
فقدان خطوط الائتمان الخارجية: –
ظل القطاع المصرفي السوداني يعاني لسنوات من ضعف علاقاته المصرفية الخارجية نتيجة العقوبات الأمريكية، فيما فاقمت الحرب التحديات التي تواجه البنوك، مما أدى لارتفاع تكلفة التحويلات المالية والتجارة الخارجية.
تراجع البنوك المراسلة الإقليمية:-
ضمن هذا المناخ، قلّصت بنوك المحيط الإقليمي تعزيز اعتماداتها مع المصارف السودانية، سواء للصادر أو الوارد — وهو ما يجعل “الدفع المقدم الصارم” أحياناً مطلباً يصعب تطبيقه عملياً حين تكون قناة الاعتماد المصرفي نفسها ضعيفة.
والأهم: تساهل من بعض المصدرين أنفسهم جزء كبير من المشكلة ليس “تساهل البنك المركزي” بقدر ما هو خيار تجاري يتخذه المصدرون أنفسهم: قبول طرق تحصيل أضعف (اطلاع أو قبول) بدافع الحصول على الدولار بأسرع طريقة ممكنة، بدل الإصرار على ضمانات أكثر أماناً كخطابات الاعتماد المعززة.
اعتماد مصر على المنتج السوداني واقع موثق بالأرقام: 90% من السمسم الذي يدخل في عملية التصنيع في مصر سوداني المنشأ، وغيابه يحدث طفرة كبيرة في أسعار المنتجات التي تعتمد عليه كمادة خام، وارتفعت أسعاره من 30-45 ألف جنيه للطن إلى 90-100 ألف جنيه نتيجة هذا النقص.
يكشف مصدّرون مطلعون عن سلسلة إجراءات تضع المصدر السوداني في موقف ضعف بنيوي: حجز بيطري بمحجر الكدرو لمدة 21 يوماً على حساب المصدر، رحلة نقل طويلة تفقد فيها المواشي جزءاً من وزنها، ثم إفراج عن الشحنة لصالح الجهة المصرية المخوّلة بالاستلام، حتى مع وجود وثيقة تأمين تشترط شروطاً (كخطاب ضمان بحري لشحنة نهرية) يصفها المصدّرون بأنها غير قابلة للتطبيق عملياً. والنتيجة، وفق هذه الشهادة، أن المواشي تُذبح وتُباع غالباً قبل اكتمال دورة المستندات بين البنكين.
إذا كانت قضايا السمسم والقطن والمواشي والفول السودانى تمثل تسريباً جزئياً، فإن الذهب يمثل أكبر كارثة استنزاف، بالأرقام الرسمية نفسها. أقرّ وزير المالية السوداني بأن 20 طناً فقط من الذهب صُدِّرت عبر القنوات الرسمية من إجمالي إنتاج عام 2025 البالغ 76 طناً، بينما لم يدخل الخزينة العامة من إنتاج عام كامل سوى 12.5 طن كصادرات رسمية. وتشير تقديرات مطلعة إلى أن الإنتاج الحقيقي يقترب من 100 طن، يساهم التعدين الأهلي بنسبة 90% منه.
حجم التهريب موثق بدقة: ما بين 48% و60% من الذهب المنتج يُهرب عبر الحدود البرية والمطارات غير الخاضعة للرقابة، مع زيادة بنسبة 70% في تدفقات الذهب غير الرسمي من السودان إلى الإمارات خلال عام 2024 ومصر خلال عام 2025 . وتتقارب تقديرات الخسائر المالية عند رقم مقلق: يتجاوز مبلغ 7 مليارات دولار سنوياً , كان من الممكن تحصيلها عبر القنوات الرسمية، فيما يرى رئيس شعبة مصدري الذهب أن إنتاج البلاد يتجاوز 70 طناً بقيمة تفوق ستة مليارات دولار، بينما لا تظهر تقارير البنك المركزي سوى مبلغ ملياري دولار أو أقل، ما يعني ضياع ثلثي العائد.
أما الوجهات ال 90% من الصادرات الرسمية للذهب السوداني تذهب إلى الإمارات، بينما مصر أصبحت خلال السنوات الأخيرة منفذاً رئيسياً، خاصة من ولايتي الشمالية ونهر النيل، إلى جانب جنوب السودان وتشاد كمحطتي عبور. والأخطر أن جزءاً من هذه العائدات يُغذّي صراعاً مسلحاً مستمراً منذ أبريل 2023.
صادرات السودان الحالية من القطن لا تتجاوز 30 إلى 40 ألف طن بعائد نحو 64 مليون دولار، مقارنة بمستوى تراوح بين 150 و200 ألف طن خلال موسم 2020-2021. وعجز الميزان التجاري الكلي بلغ نحو 3.86 مليار دولار.
تهريب المحاصيل الزراعية مرتبط أساساً بانقسام السيطرة الداخلية الناتج عن الحرب: منعت مليشيا الدعم السريع نقل المنتجات الزراعية، ومنها الصمغ العربي، إلى مناطق سيطرة الجيش، مما زاد تهريب الصمغ عبر تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان. أما تهريب الذهب فتحميه أطراف نافذة، إذ إن أطرافاً نافذة وشبكات إجرامية إقليمية متورطة بقوة في تهريبه ، وسيستمر التهريب ما استمرّت الحرب والفوضى الأمنية التي توفر له غطاءً وحافزاً مالياً ضخماً.
الصورة الحقيقية أعقد من “تآمر” بسيط، وتشمل:
السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التسهيلات على حساب الدولار العائد للخزينة، بل إلى نظام رقابي ومصرفي متكامل يضمن أن كل شحنة وكل غرام ذهب يخرج من حدوده يعود بقيمته كاملة إلى شعبه — في ظل ظروف مصرفية صعبة تحتاج حلولاً عملية، لا تبسيطاً للمسؤولية في اتجاه واحد.
باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
[email protected]
يونيو 2026
altaghyeer.info