سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

حملة التشويه ضد الأستاذة حنان حسن.. شهادة لها لا عليها

حملة التشويه ضد الأستاذة حنان حسن.. شهادة لها لا عليها‎

خالد أبو أحمد

تشهد الساحة الإعلامية والتواصلية السودانية هذه الأيام حرباً من نوع خاص، ليست حرب رصاص ولا مدافع، بل ‏هي حرب تشويه وإسقاط وقتل معنوي ممنهج، يشنّها المتأسلمون بكل ما تبقى لهم من أموال مسروقة من خزينة ‏الوطن، وبكل من استأجروا من بائعي الضمير والنائحات المدفوعة الأجر، في مواجهة الشرفاء والوطنيين الأحرار ‏الذين يرفضون مشروعهم الضال الذي شيّعه الشعب السوداني إلى مثواه الأخير غير مأسوف عليه، بعد أن أحرقوا ‏البلاد وسرقوا مقدراتها، وأشعلوا حروباً راح ضحيتها الملايين قتلاً وجرحاً وتشريداً ونزوحاً إلى أصقاع الأرض‎.‎

والقتل المعنوي ليس مصطلحاً مجازياً ولا تعبيراً فضفاضاً، هو استراتيجية ممنهجة ومدروسة، هدفها إخراج ‏الأصوات الوطنية الحرة من الساحة العامة عبر تشويه سمعتها وتلطيخ تاريخها وزرع الشك حولها في أذهان الناس، ‏الأداة هي الكذب المنظم والشائعة المحبوكة والاتهام الذي يُطلق في الظلام ثم يُترك ليسري كالسم في الأوردة. ولفهم ‏هذا النهج لا بد من العودة إلى جذوره، فالحركة الإسلامية السودانية بنت نفسها منذ نشأتها على ثقافة الولاء المطلق، ‏من معنا فهو منا ومن خالفنا فهو ضدنا وضد الإسلام. هذه الثنائية المغلقة التي لا تقبل وسطاً ولا رأياً مختلفاً، هي التي ‏أنتجت عقلية الكراهية التي نراها اليوم، فالمختلف عندهم لا يُناقَش ولا يُحاوَر، بل يُصنَّف أولاً عدواً، ثم يُحارَب بكل ‏الأسلحة المتاحة.

تاريخ أسود‎

وتاريخهم في هذا الشأن زاخر بالشواهد، ففي فترة الديمقراطية الثالثة بين عامي 1985 و1989، مارس إعلامهم ‏أبشع أنواع القتل المعنوي وتسفيه القيادات الوطنية وتجريحها، لا لشيء إلا بسبب الخلاف السياسي وحده، كانوا ‏يصفون الإمام الصادق المهدي رحمه الله بـ(أبوكلام)، والسيد أحمد علي المرغني بـ(حمادة)، والدكتور عمر نور ‏الدائم بـ(درق سيدو)، والأستاذ التوم محمد التوم بـ(التوم كديس)، والأستاذ عثمان عمر بـ(عثمان طير)، والأستاذ سيد ‏أحمد الحسين بـ(الحجاج بن يوسف) عليهم رحمة الله، أربع سنوات متواصلة من الإساءة المتعمدة لشخصيات لها ‏وزنها السياسي والاجتماعي في نفوس السودانيين، وهو شطط لم يعرفه تاريخ بلادنا من قبل، فقد كانت الخلافات ‏السياسية بين الأحزاب المختلفة خلافات ذات أدب وأخلاق، تعكس تربية السودانيين على القيم الأصيلة، حتى جاء ‏هؤلاء مدّعو الفضيلة مثل النبت الشيطاني فجاءت معهم كل الرذائل المنبوذة في كل الأديان والأعراف والتقاليد‎.‎

وقائمة من استهدفتهم آلتهم الإعلامية طويلة وثقيلة. من الزعيم محمد عثمان الميرغني إلى الصادق المهدي إلى ‏منصور خالد إلى محمد إبراهيم نقد، مروراً بياسر عرمان وفاطمة محمد إبراهيم، وصولاً إلى خالد سلك ووجدي ‏صالح والدكتور القراي ومئات الشخصيات الوطنية التي رفضت نهجهم الإقصائي الدموي، والقاسم المشترك بين كل ‏هؤلاء أنهم لم يُستهدفوا إلا لأنهم رفضوا الاستسلام لأفكارهم النتنة.‏

صوت لا يمكن شراؤه‎

والنموذج الأحدث والأكثر وضوحاً على هذا النهج ما يجري هذه الأيام من حملة تشويه منظمة تستهدف الناشطة ‏الوطنية والمحامية الأستاذة حنان حسن. هذه المرأة التي عُرفت بمواقفها الوطنية المشرفة ووقفت بشجاعة في مواجهة ‏الظلم ودافعت عن حقوق الضعفاء وأسمعت صوتها حين آثر كثيرون الصمت، لم يُعرف عنها يوماً أنها تبيع مواقفها ‏أو تؤجر ضميرها، وهو ما أكده وزير الإعلام خالد الأعيسر حين كشف عن ممارسة شراء المواقف بالمال، وهم ‏أنفسهم من يشنّون اليوم هذه الحملة ضدها. لقد باتت حنان حسن هدفاً لآلة التشويه الإسلاموية لسبب واحد بسيط: إنها ‏صوت لا يمكن شراؤه ولا ترهيبه ولا إسكاته بالضغط والتهديد، وهذا وحده كافٍ عندهم لإصدار حكم الإعدام ‏المعنوي بحقها‎.‎

ما يجري ضد الأستاذة حنان ليس خلافاً شخصياً ولا سجالاً عابراً. هو رسالة موجهة لكل صوت وطني حر مفادها: ‏إن أصررت على الوقوف في وجهنا فسنحوّل اسمك إلى وصمة عار قبل أن يلحقك أي أذى جسدي. والمفارقة اللافتة ‏أن هؤلاء وآلتهم الإعلامية الضخمة يعادون المكوّن المدني بقيادة الدكتور حمدوك أشد مما يعادون حميدتي الذي ‏يحاربونه على الورق. وفي هذا دلالة عميقة، فأي شخص يعاديه هؤلاء فهذا العداء شهادة له لا عليه، لأنهم لا يعادون ‏إلا الشرفاء والأكفاء من أبناء وبنات هذا الوطن‎.‎

‎الأصوات الحرة لا تُقتل بالشائعات‎

لكن الذين يشنون هذه الحملات يغفلون عن حقيقة بسيطة علّمها التاريخ مرات كثيرة: الأصوات الحرة لا تُقتل ‏بالشائعات، بل إن الشائعة حين تُطلق ضد إنسان شريف كثيراً ما تنقلب على أصحابها وتكشف حجمهم الحقيقي أمام ‏الناس. وكل من يعرف حنان حسن عن قرب يعرف أن ما يُقال عنها لا يلتقي مع تاريخها الذي بنته بجهدها وصدقها ‏وتضحياتها على مدى سنوات‎.‎

والسؤال الذي يطرحه عنوان هذا المقال، إلى أين تسير هذه الكراهية، جوابه واضح لمن يرى ويتأمل: إنها تسير نحو ‏نهايتها. لأن الكراهية حين تصبح هي السلاح الوحيد المتبقي في يد تيار سياسي، فهذا يعني أن ذلك التيار استنفد كل ‏أوراقه الأخرى ولم يبق له ما يقدمه. والشعب السوداني الذي عاش ثلاثة عقود تحت حكمهم ورأى ما فعلوه ببلده، لم ‏يعد بحاجة إلى من يشرح له من هم وماذا يريدون‎.‎

حنان حسن ستبقى، والأصوات الوطنية الحرة ستبقى. أما ثقافة القتل المعنوي، فهي آخر ما تبقى لمن فقدوا كل شيء ‏ولم يجدوا ما يقدمونه للوطن إلا مزيداً من الكراهية والحقد على كل ما هو شريف وحر وأصيل‎.‎

صباح السبت 27 يونيو 2026م

altaghyeer.info