سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

رفض الهدنة.. إلى أين يمضي السودان

رفض الهدنة.. إلى أين يمضي السودان

رفض الهدنة.. إلى أين يمضي السودان؟

أحمد عثمان جبريل

❝ ليست أخطر الحروب تلك التي تُطلق فيها أول رصاصة، بل تلك التي تُغلق فيها آخر نافذة كان يمكن أن يدخل منها السلام❞

لم يكن السودانيون، وهم يطوون عامهم الثالث في أتون الحرب، ينتظرون معجزةً تهبط من السماء، ولا سلاماً يولد بين ليلة وضحاها.. كانوا يبحثون عن شيء أكثر تواضعاً من النصر، وأكثر إنسانيةً من الهزيمة: (هدنة تلتقط فيها الأمهات أنفاسهن، ويعود طفل إلى مدرسته، وشيخ إلى داره، ومعتقل إلى ضوء النهار).

فالذين يعيشون الحرب لا يقيسون الأيام بعدد المدن التي سقطت، بل بعدد الأرواح التي نجت، والبيوت التي لم يطرق بابها خبر الفقد.. ولهذا لم تكن الهدنة، في وجدان السودانيين، مجرد ورقة تفاوض، بل نافذة صغيرة يطل منها وطن أنهكته البنادق.

غير أن تلك النافذة أُغلقت..

ومع إعلان الفريق عبد الفتاح البرهان التمسك بالحسم العسكري ورفض أي هدنة لا تنتهي بتفكيك قوات الدعم السريع وتسليم سلاحها، وبالتزامن مع حديث كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن عن رفض أحدث مقترحات الهدنة، لم يعد السؤال متعلقاً بموقف طرف من أطراف الحرب، بل أصبح سؤال وطن بأكمله:( بعد رفض الهدنة.. إلى أين يمضي السودان؟)

(1)

ليست الهدنة استسلاماً كما يصورها المتحاربون، ولا انتصاراٍ سياسياً لطرف على آخر، وإنما امتحان لإرادة السلام.. فهي قد لا تنهي الحرب، لكنها تمنح المجتمع فرصة لالتقاط أنفاسه، وتفتح للدبلوماسية باباً لاختبار إمكان الوصول إلى تسوية.

ولهذا فإن قبولها أو رفضها لا يُقرأ بوصفه قراراُ عسكرياً فحسب، بل باعتباره خياراُ سياسياٍ ستكون له انعكاساته على مسار الصراع، وعلى نظرة المجتمع الدولي إلى أطرافه.

(2)

الرسالة الأبرز في حديث مسعد بولس لم تكن الدعوة إلى وقف الحرب، فذلك مطلب تكرر مراراً، وإنما ما حمله التوقيت من دلالات.. فالتحذير من استمرار القتال، والتلويح بعقوبات إضافية، وإثارة ملفات حساسة، كلها مؤشرات إلى تصاعد الضغوط الدولية إذا ظل المسار السياسي مغلقاً.

وهنا ينبغي التمييز بين الوقائع والتحليل؛ فما قيل في المنابر الدولية حقيقة معلنة، أما ما قد يترتب عليه فهو قراءة سياسية تحتمل أكثر من احتمال.. غير أن السؤال يبقى مشروعاً.. ماذا يعني أن تصدر هذه الرسائل في هذه اللحظة تحديداً؟

(3)

في السياسة، لا تُقاس القرارات بما يقوله أصحابها عنها، بل بما تفتحه من طرق وما تغلقه من أبواب.. ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يستطيع السودان تأجيله: (هل سأل أصحاب القرار، وهم يرفضون الهدنة، إلى أين سيمضي هذا الوطن؟)

ليس إلى أين ستصل المعارك، فالخرائط تتغير، ولا إلى من يكسب الجولة التالية، بل إلى أين سيمضي السودان وقد أنهكت الحرب مدنه، وأفرغت قراه، وملأت أرضه بالمقابر والمخيمات؟

فالتاريخ لا يتوقف طويلاً عند عدد المعارك التي انتصر فيها القادة، لكنه يتوقف كثيراً عند اللحظات التي ضاعت فيها فرص إنقاذ الأوطان.

(4)

إن التلويح بملفات حساسة داخل مجلس الأمن، ومنها الحديث عن الأسلحة الكيميائية، لا يعني بالضرورة حسم الوقائع أو صدور أحكام نهائية، فذلك شأن تحكمه آليات التحقيق والقانون الدولي.. لكنه، سياسيًا، يرفع مستوى الضغوط، ويوجه رسالة واضحة بأن استمرار الحرب قد يفتح الباب أمام مسارات أكثر تعقيداً، من عقوبات إضافية إلى تحقيقات دولية.

وفي عالم السياسة، كثيراً ما تكون الرسائل أخطر من القرارات نفسها، لأن الدول الكبرى نادراً ما تدفع بملفاتها الحساسة إلى الواجهة دون حسابات تتجاوز اللحظة.

(5)

لكن أخطر ما في رفض الهدنة ليس أثره على العلاقات الدولية، بل أثره على الإنسان السوداني.. فكل يوم إضافي في الحرب يعني مزيداُ من النزوح، وبيوتاُ تهدم، وأطفالاً يكبرون قبل أوانهم، وأمهات ينتظرن خبراً قد لا يأتي، وأسراً أصبحت الحياة عندها أمنية مؤجلة.

هؤلاء لا يسألون من ربح الجولة السياسية، ولا من كسب المعركة الإعلامية، وإنما يسألون سؤالًا واحدًا: (متى يعود الوطن مكانًا صالحًا للحياة؟)

(6)

ومع امتداد الحرب، لم تعد المواجهة مجرد صراع بين قوتين على الأرض، بل أصبحت أزمة تهدد الدولة نفسها.. فكل فرصة تضيع لوقف القتال تزيد المشهد تعقيداُ، وتوسع دوائر التدخل، وتضعف قدرة السودانيين على الإمساك بمستقبلهم.

وهنا لا يكون السؤال: من يملك القوة العسكرية الأكبر؟ بل: من يملك الشجاعة السياسية لوقف نزيف وطن يتآكل من داخله؟

فالحروب تبدأ بقرار، لكنها إذا طالت، تبدأ في صناعة قراراتها بنفسها، وحينها يصبح الجميع أسرى لها، بينما يدفع الوطن الثمن الأكبر.

(7)

لقد علمتنا تجارب الشعوب أن أخطر القرارات ليست تلك التي تُتخذ تحت ضغط اللحظة، بل تلك التي تغلق أبواب المستقبل..

قد يختلف السودانيون في قراءة المواقف والحسابات العسكرية، لكنهم سيتفقون يوماً على أن الأوطان لا تُقاس بعدد المعارك التي خاضتها، بل بعدد الفرص التي نجحت في تحويلها من ميادين للحرب إلى موائد للحوار.

ولهذا يبقى السؤال مفتوحًا:”بعد رفض الهدنة.. إلى أين يمضي السودان؟”.. ليس المقصود أن الهدنة كانت ستنهي الحرب بين ليلة وضحاها، ولا أن طرفاً واحداً يتحمل وحده كل المأساة، وإنما أن كل فرصة تخفف معاناة المدنيين تظل ذات قيمة، حتى وإن لم تكن نهاية الصراع.

فالقرارات الكبرى لا تُقاس بما تحققه في ساحات القتال وحدها، بل بما تتركه في ذاكرة الشعوب، وفي قدرة الأوطان على النهوض من ركامها..

لقد اعتادت السياسة أن تحسب مكاسبها بالخنادق..

لكن الشعوب تحسبها بالمقابر..

ولذلك سيبقى السؤال حاضراً، بعد أن تهدأ ضوضاء التصريحات وتتبدل موازين القوى: هل كان يمكن للسودان أن يسلك طريقاُ أقل كلفة على أبنائه؟

ذلك سؤال لن تجيب عنه البيانات العسكرية.. بل سيجيب عنه التاريخ.. إنا لله ياخ.. الله غالب.

ومضة أخيرة..

أفقٌ يترفق باتساعه؛ لا يكتب للحظة، بل للتاريخ، لأن الخبر يمضي، وتبقى الأسئلة الصادقة شاهدة على الأزمنة. فلا ينحاز إلى ضجيج السياسة، بل إلى الإنسان حين يضيع بين ركامها.. وحيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ.

altaghyeer.info