بلا قانون يحميها.. بياناتنا المصرفية في مهبّ محوّلات خاصة
كيف فتح غياب “Data Protection Law” الباب أمام شركات مجهولة لامتلاك أسرار السودانيين المالية
عمر سيد أحمد
في الأول من يوليو 2026، وبينما البلاد ممزقة بحرب لم تُبقِ حجراً على حجر، ولا سلطة مركزية قادرة على فرض هيبتها كاملة على أرض الوطن، اجتمعت النخبة الرسمية في فندق مارينا ببورتسودان، تحت رعاية عضو مجلس السيادة الفريق أول مهندس إبراهيم جابر، لتُسلَّم، في احتفال باذخ، مفاتيح الشريان المالي للدولة السودانية إلى شركة خاصة عمرها أشهر معدودة، اسمها «العسجد». لم يكن الأمر مجرد إطلاق رخصة تقنية عابرة، بل كان لحظة فارقة يُعاد فيها رسم من يملك زمام المال العام في بلد تحكمه اليوم سلطة أمر واقع، لا برلمان يراقبها، ولا مؤسسات رقابية مستقلة تُسائلها، ولا رأي عام قادر على الوصول إلى الحقيقة الكاملة. وهذا بالضبط ما يجب أن يُقلقنا: فحين تغيب الدولة بمعناها المؤسسي الكامل، تتحول القرارات المصيرية إلى صفقات تُمرَّر في العتمة، وتُغلَّف بخطاب «التحول الرقمي» و«كسر جدران العزلة» لتمرير ما لا يمكن تمريره في زمن الاستقرار.
لا يمكن قراءة توقيت هذه الرخصة بمعزل عن سياقها: دولة منهكة بالحرب، مؤسسات ضعيفة أو مشلولة، حكومة أمر واقع تسعى لشرعية سريعة عبر «إنجازات» تُعرض في المؤتمرات، وغياب شبه تام لأي جهة قادرة على مساءلة من يمنح، ومن يستفيد، ومن يراقب. هذا هو بالضبط المناخ الذي تُدار فيه أخطر القرارات بخبث: حين تنشغل الأمة بالنجاة اليومية من القصف والنزوح والانهيار الاقتصادي، تُمرَّر صفقات السيادة المالية في صمت، وتحت غطاء «الضرورة» و«مواكبة العصر». إنّ محوّل المعاملات المالية ليس مرفقاً تقنياً هامشياً؛ إنه النخاع الشوكي للاقتصاد الوطني، والجهاز الذي يربط المصارف كافة ببعضها، والمستودع المركزي لكل حركة الأموال، والصندوق الأسود الذي يحمل أدق تفاصيل أرصدة وسلوكيات وخصوصيات ملايين السودانيين. تسليم هذا «العمود الفقري» لشركة خاصة، حديثة العهد وغامضة الهوية نسبياً، في ظل غياب الدولة، ليس تفريطاً عابراً، بل هو فتح للباب أمام اختراق سيادي قد لا يُكتشف إلا بعد فوات الأوان.
والمفارقة أن البيان الرسمي المصاحب للتدشين، بحسب ما تداولته وكالة السودان للأنباء (سونا) ومنصات إعلامية أخرى، لم يصف المشروع بأنه مجرد منصة تقنية عابرة، بل رفعه صراحةً إلى مصاف «بنية تحتية سيادية»، معتبراً إياه الشريان الذي ترتبط به جميع البنوك والمحافظ الإلكترونية وقنوات الدفع في البلاد، وأن إشراف بنك السودان المركزي عليه يضمن التسوية النهائية والمقاصة الآمنة وربطه بأنظمة مكافحة غسل الأموال. وهذه المفارقة تحديداً هي ما يجب ألا يمرّ دون توقف: فحين تصف الدولة، بلسانها الرسمي، مشروعاً بأنه «بنية تحتية سيادية»، فإن مناقشته تخرج فوراً من دائرة الشأن التقني الذي يخص المبرمجين والمصرفيين، لتدخل في صميم قضايا السيادة الاقتصادية والأمن المالي وحق المواطن في معرفة كيف تُدار أخطر مرافق دولته الرقمية. فمحوّل المدفوعات الوطني ليس تطبيقاً مصرفياً عادياً؛ إنه القلب الذي تمر عبره التحويلات بين المصارف وشركات الدفع والمحافظ الإلكترونية، ومنه تتولد واحدة من أضخم قواعد البيانات المالية والاقتصادية في البلاد – ولهذا بالضبط تصنّفه معظم دول العالم ضمن البنية التحتية الوطنية الحرجة الخاضعة لأعلى مستويات الحوكمة والرقابة، لا لقرار إداري سريع يُتخذ في ظرف أشهر.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً لا أقل: إذا كانت الدولة ذاتها تُقرّ بأن هذا المرفق سيادي بامتياز، فبأي منطق يُترك تشغيله الفعلي، ببياناته وخوادمه وقراراته اليومية، في يد شركة خاصة لا تملك الدولة فيها حصة، ولم تُخضعها لأي مراجعة علنية لهيكل ملكيتها أو مصادر تمويلها؟ الوصف السيادي للمشروع لا يبرر تسليمه لجهة خاصة، بل يزيد من وجاهة المطالبة بأن يبقى تحت إدارة مؤسسة مملوكة للدولة بالكامل، أو على الأقل تحت رقابة تشغيلية مباشرة لا تكتفي بالإشراف الشكلي على الورق.
تقدّم «شركة العسجد للحلول الرقمية والذكية» نفسها بوصفها مؤسسة رائدة في التقنيات المالية بالسودان ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بقيادة المديرة العامة د. عسجد الكاظم. لكن الحقيقة التي يُراد لها أن تمرّ دون تدقيق هي أن هذه الشركة لم تتأسس إلا في أواخر عام 2025، وبدأت نشاطها الفعلي مطلع 2026، لتحصل بعد أشهر معدودة فقط – وفي خضم حرب اقتصادية شرسة تُشن على البلاد من كل جانب – على أخطر رخصة مالية يمكن أن تُمنح لجهة خاصة. هذه السرعة القياسية، غير المبررة بأي معيار مؤسسي معروف، هي في حد ذاتها إنذار: فالتراخيص التي تمس أمن الدولة المالي لا تُمنح لشركات وليدة إلا حين تكون هناك جهات نافذة تُسهّل الطريق، أو حين تكون سلطة القرار نفسها غير خاضعة لأي رقابة حقيقية تمنع مثل هذا التسرّع.
والأخطر أن طموح «العسجد» المعلن لا يقف عند حدود تشغيل محوّل تقني، بل يمتد إلى «توحيد» جميع المصارف السودانية داخل منصة مركزية واحدة تجمع التحويلات الفورية، ومدفوعات التجزئة، وسداد الفواتير والخدمات الحكومية، وإدارة البطاقات المصرفية – أي احتكار كامل لعصب الحياة المالية اليومية لكل مواطن سوداني. وقد كُشف أيضاً عن شراكة تقنية استراتيجية مع منصة أجنبية تحمل اسم «Bank in Box»، وهو ما يعني، بصريح العبارة، أن مفاتيح تشغيل النظام المصرفي السوداني بأكمله لن تكون سودانية خالصة، بل ستكون مرتبطة بترتيبات تقنية مع طرف خارجي، في بلد يخوض أصلاً معركة وجود ضد تدخلات وحصار وحرب اقتصادية معلنة. أفلا يستحق هذا وحده أن يُدق ناقوس الخطر؟
الأدهى في هذه القصة أن الدولة لم تكن بحاجة إلى المغامرة بسيادتها المالية أصلاً، لأن البديل الوطني كان قائماً وجاهزاً: شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، الذراع التقنية الرسمية لبنك السودان المركزي منذ عام 1999، والتي باشرت عملها فعلياً عام 2000 بملكية وطنية خالصة بلا شائبة: البنك المركزي يملك نحو 49% من أسهمها، ومجموعة المصارف السودانية تملك 21%، وشركة سوداتل الوطنية تملك 30% المتبقية. أي أن الدولة والقطاع المصرفي كانا يملكان بالكامل، منذ أكثر من ربع قرن، الجهاز الذي يدير المقاصة الإلكترونية والمدفوعات. فلماذا جرى تجاوز هذه المؤسسة، بخبرتها المتراكمة وملكيتها الوطنية الكاملة، لصالح شركة خاصة لم تكمل عامها الأول؟ لا يوجد تفسير مؤسسي مقنع لهذا الاستبدال – وغياب التفسير، في زمن الحرب وغياب الدولة، ليس فراغاً بريئاً، بل هو بالضبط المساحة التي تُدار فيها الصفقات المشبوهة بعيداً عن أي عين رقابية.
وفي ضوء منح هذه الرخصة الجديدة لشركة العسجد للحلول الرقمية والذكية (ASD Smart)، تبرز أسئلة مؤسسية مشروعة، لا تحتمل التأجيل، وتحتاج إلى توضيح رسمي وصريح من الجهات التنظيمية المعنية، وبنك السودان المركزي تحديداً بوصفه الجهة المالكة للحصة الأكبر في (EBS):
هذه الأسئلة الأحد عشر، مجتمعةً، كافية لتلخيص حجم الغموض المؤسسي المحيط بالملف: فـ(EBS) ليست مجرد شركة عابرة يمكن تجاوزها بصمت، بل مؤسسة يملك بنك السودان المركزي نفسه الحصة الأكبر فيها، إلى جانب حصص لمجموعة المصارف السودانية وشركة سوداتل. وبالتالي، فإن أي إزاحة فعلية لها من موقعها، دون توضيح مصير هذه الاستثمارات الوطنية القائمة، ليست مجرد قرار تنظيمي عابر، بل مساس مباشر بأصول مملوكة جزئياً للدولة والقطاع المصرفي نفسه. والصمت الرسمي عن هذه الأسئلة، أكثر من ثلاثة أسابيع بعد التدشين، لا يمكن تفسيره إلا بأحد احتمالين: إما أن الإجابات لا تسرّ من يسمعها، أو أن القرار اتُّخذ أصلاً دون تصور واضح لمصير (EBS) ومساهميها.
الإنصاف يقتضي تسجيل ما هو موثّق فعلاً في هذا السياق، لأنه يزيد الصورة تعقيداً لا وضوحاً: فبنك السودان المركزي كان قد بدأ فعلياً، منذ سنوات، سياسة فتح سوق المدفوعات أمام القطاع الخاص، إذ أنهى احتكار (EBS) لعمليات الأموال عبر الهاتف المحمول وسمح بدخول لاعبين جدد، كما رخّص لأكثر من 64 مؤسسة تعمل في مجال التقنية المالية منذ عام 2016. وفي الوقت نفسه، طرح البنك المركزي مؤخراً مناقصة عامة رسمية لتنفيذ مشروع «نظام المدفوعات الفورية القومي» تستهدف الشركات المتخصصة والمؤهلة. لكن يبقى سؤال محدد بلا إجابة معلنة: هل رخصة «العسجد» لمحوّل المعاملات المصرفية صدرت في إطار هذه المناقصة العامة ذاتها أم خارجها بقرار منفصل؟ والمفارقة الإضافية أن (EBS) ذاتها لا تزال نشطة وتتوسع؛ فقد اعتُمدت أخيراً رسمياً كمكتب خدمة معتمد لشبكة «سويفت» العالمية، وهو ما يشير إلى أن دورها يتغير أو يتوسع، لا أنها في طريقها إلى الزوال كما قد يوحي غياب أي بيان رسمي بشأن علاقتها بـ«العسجد».
مع انفتاح بنك السودان المركزي على القطاع الخاص في مجال المدفوعات، برز مؤشر مقلق يستحق تسليط الضوء عليه: تسابق عدد من الشركات الناشئة على انتزاع تراخيص وتشغيل منصات مالية حساسة، معتمدة في ذلك على رأس المال والعلاقات النافذة، أكثر من اعتمادها على سجل تقني مثبت أو خبرة متراكمة في إدارة بنية تحتية مالية بهذا الحجم. وهذا تحديداً هو جوهر المشكلة: فتشغيل محوّل وطني للمدفوعات ليس مشروعاً تقنياً بسيطاً يمكن لأي فريق ناشئ أن يتقنه خلال أشهر؛ إنه عمل يتطلب كوادر مدرَّبة على مستوى عالٍ من التخصص في أنظمة المقاصة والتسوية والأمن السيبراني، ومراكز عمليات تعمل على مدار الساعة، وخططاً مُختبَرة لاستمرارية الأعمال عند الطوارئ، وقدرة مالية وتقنية على استيعاب صدمات تشغيلية مفاجئة. وحين تتحول عملية منح التراخيص إلى سباق تحكمه القدرة على الوصول والنفوذ بدل معايير الكفاءة الفنية المُثبتة، فإن النتيجة المتوقعة ليست فقط احتكاراً خاصاً لمرفق سيادي، بل احتمال تسليمه لجهة غير مؤهلة أصلاً لتحمل حجم المسؤولية المترتبة عليه – وهو ما قد يتحول من مخاطرة سيادية إلى كارثة تشغيلية فعلية في أول اختبار حقيقي يتعرض له النظام.
وثمة قراءة أخرى تستحق أن تُطرح، وإن كانت تفسيراً تحليلياً لا خبراً مؤكداً بمصدر رسمي: يبدو أن بنك السودان المركزي يتجه إلى إعادة تعريف دور (EBS) تدريجياً، من جهة تتعامل مباشرة مع المصارف بوصفها المشغّل الوحيد للمقاصة والتسوية، إلى جهة أقرب لـ«الإشراف على المحوّلات» ذاتها، بما يفتح الباب أمام تعدد المشغلين الخاصين بدل مشغّل وطني واحد. وإن صحّت هذه القراءة، فإنها تحمل خطورة إضافية لا تقل عن خطورة قرار الترخيص الأول: فتحويل (EBS) من مشغّل مباشر إلى جهة تُعنى بمحولات متعددة، دون أن تصاحب هذا التحول إجراءات معلنة أو معايير واضحة أو آلية شفافة لتقييم من يحق له التقدم بطلب تشغيل محوّل خاص، يعني عملياً تحويل سوق حساس بهذا الحجم إلى باب مفتوح أمام كل من يملك المال أو النفوذ الكافي لانتزاع رخصة، بصرف النظر عن كفاءته الفعلية – وهو بالضبط سيناريو «سباق التراخيص» الذي حذّرنا منه أعلاه، لكن هذه المرة بغطاء تنظيمي رسمي جديد.
من الناحية الفنية البحتة، يقوم محوّل المدفوعات الوطني بمهمة محددة: ربط المصارف والمحافظ الإلكترونية وشركات الدفع عبر منصة موحدة، وتحقيق التشغيل البيني والمقاصة اللحظية، وتوحيد بروتوكولات الاتصال، وربط النظام بآليات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. لكن هناك سؤالاً جوهرياً يتعمّد الخطاب الرسمي تغييبه: هل الرخصة الممنوحة لـ«العسجد» هي رخصة لإنشاء المحول الوطني، أم رخصة لتشغيله بشكل دائم بواسطة شركة خاصة؟ الفرق بين الأمرين ليس شكلياً، بل جوهري: فبناء بنية تحتية بتكليف من الدولة ثم تسليمها لجهة وطنية لتشغيلها أمر يختلف كلياً عن منح شركة خاصة احتكاراً دائماً لتشغيل أخطر مرفق مالي في البلاد. وطالما بقي هذا السؤال بلا إجابة رسمية واضحة، فإن الشك في أن «العسجد» تحوّلت من مقاول تقني إلى مالك فعلي لمفاصل النظام المصرفي يبقى شكاً مشروعاً تماماً.
إذا استقرّت «العسجد» بوصفها المشغّل الوحيد للمحول، فإن ذلك يفتح الباب أمام مجموعة مخاطر بنيوية موثّقة في تجارب دول أخرى مع احتكار بنية المدفوعات، أبرزها: