جنيف، 3 يوليو 2026 – حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الجمعة، من وقوع كارثة إنسانية أخرى في الأبيض وكشف عن 15 هجومًا بطائرات مسيرة على المدينة ومناطق حولها خلال يونيو الماضي اسفرت عن 45 قتيلا.
وكثفت قوات الدعم السريع منذ يونيو الماضي من قصف المسيرات على الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان ومناطق على طول الطريق المؤدي إلى ولاية النيل الأبيض في محاولة لقطع إمدادات الوقود.
وقال تورك، إن كارثة أخرى تتعلق بحقوق الإنسان تتكشف فصولها في مدينة الأبيض، مشددًا على أنه لا يمكن للمجتمع الدولي أن يسمح بتكرار الفظائع واسعة النطاق التي وقعت في مخيم زمزم للنازحين وفي مدينة الفاشر بشمال دارفور العام الماضي.
ونبه تورك خلال كلمته أمام جلسة العاجل عقدها مجلس حقوق الإنسان بجنيف حول حالة حقوق الإنسان في مدينة الأبيض ومحيطها، إلى أن المدنيين عانوا من ظروف تشبه الحصار طوال 18 شهرا، وتعرضوا لضربات متواصلة بطائرات مسيرة، في ظل الصراع الدائر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع للسيطرة على المناطق المحيطة بالمدينة.
وجاءت الجلسة استجابة لطلب تقدمت به مجموعة من الدول تضم ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج والمملكة المتحدة.
وقالت المجموعة في طلبها إن “هذا الإجراء أصبح ضروريا بسبب خطر التصعيد المحتمل على الأرض، إذ يواجه نحو 500 ألف مدني خطر التعرض لانتهاكات واسعة النطاق ترقى إلى مستوى الفظائع الجماعية. كما أدت الزيادة في هجمات الطائرات المسيّرة إلى تدمير البنية التحتية المدنية، ما تسبب في نقص حاد في الوقود والمياه وسقوط ضحايا مدنيين، في ظل ظروف أشبه بالحصار حاصرت آلاف الأشخاص داخل مدينة الأبيض وقطعت عنهم الخدمات الأساسية”.
وأفاد المفوض السامي بأن مكتبه وثق 15 هجومًا بطائرات مسيرة على الأبيض والمناطق المحيطة بها في الفترة بين 6 و28 يونيو، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 45 مدنيا وإصابة 41 آخرين، محذرا من أنه من المرجح أن تكون الأعداد الفعلية للضحايا المدنيين أعلى من ذلك.
وأضاف أنه في جميع أنحاء منطقة كردفان، استهدفت طائرات مسيرة أطلقها الجانبان بشكل متكرر الأسواق والمدارس ومحطات الوقود والبنية التحتية للمياه ومركبات المدنيين.
وقال تورك: “تخلف هذه الهجمات، إلى جانب نقص الوقود، آثارا مركبة، حيث تعيق قدرة المدنيين على الحصول على المياه النظيفة والغذاء ووسائل النقل والرعاية الصحية، فضلا عن عرقلة تواصلهم فيما بينهم ومع العالم الخارجي”.
وقال المسؤول الأممي إن مكتبه وثق أيضا “أنماطا من عمليات الإعدام بإجراءات موجزة، والاختطاف، والتعذيب وسوء المعاملة، والعنف الجنسي، وأعمال النهب على طول المسارات التي يسلكها النازحون في أنحاء منطقة كردفان”.
وأضاف أن الباقين في الأبيض يواجهون خطر الاعتقال والاحتجاز التعسفيين، مضيفا أن الأشخاص الذين فروا من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها يُتهمون غالبا بالتعاون مع الطرف الآخر.
وشدد على أن ما يحدث هو “إنذار أحمر” يجب أن يصل إلى مكاتب رؤساء الدول والحكومات في جميع أنحاء العالم.
وقال تورك: “يجب على جميع القادة استخدام نفوذهم للضغط على كافة الأطراف، لا سيما قوات الدعم السريع، لوقف الهجوم على الأبيض، وإنهاء الضربات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية الحيوية، ووقف تدفق الأسلحة، والامتثال لالتزاماتهم بموجب القانون الدولي”.
ودعا أيضا إلى ضمان المساءلة عن الجرائم التي ارتكبت، وضمان خروج المدنيين من الأبيض بشكل آمن وطوعي.
وشدد تورك كذلك على ضرورة “إيلاء اهتمام أكبر بكثير للاقتصاد السياسي لهذه الحرب. يتحمل قادة الأطراف المتحاربة المسؤولية الأكبر عن ثلاث سنوات من المعاناة المروعة، ولكن خلفهم، ثمة أطراف فاعلة – داخلية وخارجية – تستفيد من هذا العنف الدموي”.
ودعا كذلك إلى وضع حد لتدفق الأسلحة المستمر من خارج البلاد إلى جميع الأطراف، محذرا من أنه “دون اتخاذ إجراءات لإنهاء هذا الوضع، فإن النزاع يواجه خطر الاستمرار إلى أجل غير مسمى”.
من جانبها، قالت عضوة البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، منى رشماوي، في التحديث الشفهي الذي قدمته أمام الجلسة العاجلة: “إنه لأمر محزن أن نجتمع مجددا لمناقشة الوضع في مدينة أخرى من مدن السودان”.
وأضافت: “رغم صعوبة الاتصال، فقد تحدثنا مع سكان المدينة. الخوف متفشٍ؛ خوف على مصيرهم ومصير مدينتهم. وتفاقم هذا الخوف بسبب تصريحات ومقاطع فيديو انتشرت على حسابات وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لقوات الدعم السريع، تُظهر حشودا عسكرية حول الأبيض واستعدادات لدخول المدينة”.
وشددت على أنه يجب على قوات الدعم السريع التوقف فورا عن شن هجمات تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك مستودعات الوقود، ومرافق المياه، وطرق النقل، والمستشفيات، والأسواق، والمدارس، والمناطق السكنية.
وقالت كذلك إنه يتعين على القوات المسلحة السودانية وحلفائها تجنب تمركز الأفراد والمعدات العسكرية داخل المناطق المدنية أو بالقرب منها، والتوقف عن ترهيب المدنيين.
كما أعرب رئيس لجنة تنسيق الإجراءات الخاصة، جورج كاتروغالوس، عن قلق اللجنة إزاء الوضع المتدهور بسرعة في مدينة الأبيض.
ونبه إلى أن الفشل المستمر في إنهاء الصراع في السودان، إلى جانب الكارثة الإنسانية المتفاقمة، “يعمّق الأزمة التي تواجه النظام متعدد الأطراف، ويقوّض مصداقية منظومة الأمن الجماعي التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة”.
وقال كاتروغالوس إن “أحد أكثر جوانب هذا النزاع إثارة للقلق لا يقتصر على حجم الانتهاكات فحسب، بل يشمل أيضا تكرارها”.
وأضاف أن الأنماط الموثقة على مدى السنوات الثلاث الماضية تظهر أن العديد من هذه التجاوزات لم تعد مجرد حوادث معزولة، بل أصبحت سمات متكررة لطريقة إدارة الأعمال القتالية، وهذا التكرار يسلط الضوء على العواقب المدمرة لاستمرار الإفلات من العقاب.
وشدد على ضرورة المساءلة من أجل تحقيق العدالة للضحايا، مضيفا: “لا يمكن للسلام أن يدوم في ظل بقاء الانتهاكات الجسيمة دون معالجة، وحرمان الضحايا من الحقيقة والعدالة وجبر الضرر”.
من جانبه، طالب وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم مجلس حقوق الإنسان والمجتمع الدولي بممارسة ضغوط ملموسة وحقيقية لوقف تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة إلى قوات الدعم السريع، معتبرا أن وقف هذا الإمداد هو المفتاح الأساسي لحماية المدنيين.
sudantribune.net