
عربدت هاجسات الشوق وانطلقت قافلة الشاحنات من أم روابة وبارا صوب النهود، المطايا مثقلات بالدخن والفول الرطيب والكركدي صاحب الصبغة والمذاق وصمغ الهشاب العربي الإفريقي الذي يصبح عاجل الدواء وسائق سائغ الغذاء من غيره مستحيلاً، والرمال مثل صفحة الذهب والقناديل مد البصر والقبائل تقطع الطريق لتمنح السلام والطعام والأغنيات والأبيض تفتح جناحيها لتستقبل الموال المشهود:
قول للأبيض حاجة ما تغشاها
حملتك أمانتاً في الضلوع منشاها
وكت السنة وقعت وأنكوت في حشها
منو الغير شبابك درجها ومشاها
لن يتوفق الكباشي هذه المرة في الأبيض عروس الرمال ولن تكون محطته الأخيرة ، فقد شد الرحال في صحبة الفرسان وأبناء الشهداء صوب الضعين لتخليصها من رجس الشيطان وإلى الفاشر البسالة حيث عفر الجميع وجوهم بتراب يكتسى بدماء الشهداء ودموع العفيفات ودعاء الصالحين.
لم تكن المحطة الأخيرة نيالا حيث يستعيد المجاهدون والمناضلون وأبناء الجيش الأشاوس(البحير) ويغسلونها من درن المرتزقة ولن يصلوا العصر إلا بعد هزيمة بني شتات في الجنينة وتعود من جديد زاهية بالإنسان المعافى والخير والأمجاد وهتاف الشهيد السلطان تاج الدين وقصائد الفيتوري ابن المساليت على منبر الأصالة ( لم يتركوا لك ما تقول).
لم يتركوا لك ما تقول
والشعر صوتك
حين يغدو الصمت مائدة..
وتنسكب المجاعة في العقول
لم يعرفوك، وأنت توغل عارياً في الكون..
إلا من بنفسجة الذبول
لم يبصروا عينيك..
كيف تقلبان تراب أزمنة الخمول
لم يسكنوا شفتيك..
ساعة تطبقان على آرتجافات الذهول
لم يشهدوك
وأنت تولد مثل عشب الأرض
في وجع الفصول
لم يتركوا لك ما تقول
لم يتركوا لك ما تقول
سألني مجموعة من شباب الإعلاميين والصحفيين بسؤال صعب ولكنه حبيب إلى نفسي لماذا كل هذا الحب للمدن السودانية حبٌ لا ينافسه إلا حب الريف والبوادي؟
فقلت لهم لأن المدينة السودانية صنعها وشيدها وصاغها كل أبناء السودان من كل الأعراق والإثنيات والأصقاع والثقافات والألسنة والأمزجة فخرج هذا الشراب السائغ والمنظرالرائق للناظرين.
المدينة السودانية هي التي حفظت اللغة والانسجام والاعتدال والوشائج المتسامحة باليقين والقضية فالذي يريد أن يتعرف على الانسان الحقيقي المسافر الجوانح بين القيم والمصالح الحلال فاليتجول في خلايا بورتسودان وشرايين كسلا وأوردة سنار وأوصال كوستي ومشاعرود مدني وشفافية القضارف وتعاليم الدويم ومدنية الخرطوم وجاذبية النهود ونداوة لقاوة وعراقة الدلنج وتحضر الفاشر وبكارة الضعين وفاعلية نيالا وجسارة الجنينة.
أما بيت القصيد فهي الأبيض المدينة الآسرة بتاريخها وحاضرها ومستقبلها وإنسانها الذي كان عصارة ضياء الأقمار ولفح الشموس ودعاش الخريف وأفراح الناس المطلقة ومشاعرهم الندية التي لو كُتب لها أن تُعلب لكانت إحدى صادراتنا التي تملأ الخزينة بالعملة الصعبة.
فالأبيض من أولى المدن التي درسناها في عالم الثقافة والسياسة في أول دروس مدرسة الكادر ومراكز المعلومات للذين يريدون أن يجعلوا الإعلام طبعاً ومهنة فما زالت في ذاكرتي هذه المعلومات حين كان الذهن غضاً والأشياء تُدرك بالقلوب قبل العقول.
فهل يا تُرى يشفع لي العمر بنسيان بعض الأسماء وبعض المعلومات وبعض النجوم وبعض الأحداث فإن أفلتت معلومة فلي ولكم العتبة حتى الرضى.
الأبيض في الذاكرة هؤلاء الأفذاذ الذين مروا على ثراها وبصموا على رمالها بالخيل والخير والخلال الكريمة . الرجال المؤسسون بلا ترتيب الأمير إلياس باشا أم برير وهو من عائلة المك نمر الزبير باشا رحمه وهو من ذات البيت الكريم وكان المجتمع السوداني يسمى القادة بأسماء أمهاتهم تكريماً للمرأة (أم برير في الأول (ورحمه) في الثاني وعلى رمالها الوضيئات عَبَر المهدي عليه السلام وحمدان أو عنجة وأبو قرجة وعبدالرحمن النجومي الذين قضوا على كل جيش هكس باشا ومنها بدأت مسيرة الفتح الكبرى نحو الخرطوم حين سار السودان كله في ركاب الفاتح العظيم.
ومن المعاصرين في النضال أطلت مواكب الخريجين فالأبيض هي المركز الثاني لمؤتمر الخرجين سنة 1939 وقبلها كانت الريادة لصديقة عمرها مدني بأحمد خير وأشقاء أحمد خير.
وكانت الأبيض مهداً للصحافة الإقليمة والمكتبات والكتاب وأول صحيفة بالأقاليم حيث أصدر الفاتح النور صحيفة كردفان وأصدر محمد عوض الكريم القرشي ووالده جريدة الجريدة، التي كانت لساناً للوطنيين ومُعبِرة عن بواعث الإستقلال ومحطة للرومانسية حيث عمرت دارها شيوخ وأدباء ومنهم الدكتورجمعة سهل وأخيه حافظ وبالمناسبة أخيهم مشاور قام بتثنية اقتراح استقلال السودان من داخل البرلمان عام 1955م حيث القي كلمة ضافية سجلها التاريخ في سجلات التاريخ الوطني. كذلك هنالك خالد الشيخ،محمد عثمان الحلاج.
ومن الشعراء هنالك من هم بقامة محمد على الأمي ممثل شعراء الحقيبة بإقليم كردفان الكبير صاحب (ما بخاف من شئ برضي خابر المُقدر لابد يكون، إنت حكمة ولا آية ولا إنسان) وسيد عبدالعزيز شاعر الحقيبة السامق المجدد صاحب ( بت ملوك النيل) و
مسو نوركم وشوفو المن جبينها صباح
والصباح إن لاح لا فايدة في المصباح
ومنها أيضاً فنان الشباب صاحب الموهبة الباذخة محمود عبدالعزيز( الحوت) ومحمد المكي إبراهيم صاحب (أُمَتي ، وأكتوبر الأخضر وقطار الغرب، وبعض الرحيق والبرتقالة أنت ومدينتك الهدى والنور) و محمد سعد دياب شاعر العطر والمساء والجميلات العفيفات.
وكانت ساحتها منطلقاً لصوت الشفيع الناطق الأول بأغاني الاستقلال وأغنيات الجمال (وطن الجدود وعيد الكواكب) والطبيعة الساحرة في كردفان الخريف وحدائق البان جديد. وتوالى المبدعون والشعراء والمطربون، فرقة فنون كردفان، الموسيقارإسماعيل عبدالمعين ،الموسيقار الماحي إسماعيل ،الموسيقارجمعة جابر ،الفنان خليل إسماعيل صاحب الصوت البصمة ،الأستاذ المثقف القامة عبدالقادر سالم ، إبراهيم موسي أبا، عائشة موسى ( الفلاتية) ، أم بلينة السنوسي ، و ثنائي النغم ، صديق عباس ، عبدالرحمن عبدالله، محمود تاور. ومن الأبيض المسرح كان المسرحي الفذ مكي سنادة وعلي مهدي، وما دمنا في دائرة الثقافة والآداب والفنون فلن ننسى الكاتبة والقاصة ملكة الدار محمد صاحبة الرواية الشهيرة (الفراغ العريض).
ومن أصواتها الإعلامية البروفيسر عوض إبراهيم عوض، سعدالدين حسن وإخلاص النوراني.
أما الرياضة فهناك مريخ الأبيض وهلال الأبيض ومن اللاعبين حسن دقق ،يوسف محمد البُر، الكوتش أحمد بابكر ، فتحي فرج الله، منصور بشير( تنقا) ، أنس النور ،عبدالباقي الطاهر (بُقه) ،عمر الأبيض، رمضان الربيع.
ومن قلب حارات الأبيض القديمة تمتزج في تواد وتعاطف واحترام بيوت لكبار من الساسة ورجال الأعمال والإداريين بلا تفرقة يجمع بينهم حب عميق للبلاد والعباد حتى لا تكاد تفرق بيت بيت سياسي أو رجل أعمال أو أفندي كبير فالكل في حضرة الأبيض سواسية كأسنان المشط.
وهنالك دار الشيخ محمد أحمد السنهوري صهرآل البرير ووالدة السيدة الصالحة صاحب المسجد سيدة سنهوري، أحمد بك دفع الله ومن ظهره جاء حفيده الموسيقار برعي محمد دفع الله، دارالشيخ الناظر زاكي الدين حسين ناظر البديرية وحفيده ميرغني حسين زاكي الدين وزير زراعة ونائب في حزب الأمة وهو خريج آداب جامعة الخرطوم وكان أستاذاً بخور طقت الثانوية وابنه معتصم الذي أصبح لاحقاً أصبح لاحقاً والي شمال كردفان. ودار الشيخ الناظر محمد الرضي عمدة الشويحات ووالد مولانا دفع الله الرضي نائب رئيس القضاء وعضو محكمة العدل الدولية لدورتين. دار منعم منصور أمير الحمر، وبابو نمر ناظر المسيرية، ناظر الكبابيش وناظر العكام،وناظر المجانين، ودار حاج أحمد الشمباتي والد الأستاذ حسن عبدالقادر أحد قيادات نادي الهلال ونائب دائرة الأبيض عن الاتحاديين وتوأمة حسين عبدالقادر مدير البنك الزراعي.
ومن أعيان الأبيض ورجال صفها الأول وتجارها الحاج محمد أحمد حاج الإمام ،حسن قرين نائب مأمور وتاجر من أعيان الأبيض وصهر بابكر بدري ، محمد حسن كرشهلي من كبار تجار المحصول ،العمدة رمضان إبراهيم أبو حسنين، مدثر حامد مهدي وكلاء للمحاصيل ، وأبو نجمة أول تاجر سلاح، ومن رجال الأعمال كذلك الشريف محمد علي المهدي.
ومن طائفة الأقباط هنالك تادروس سمعان وأبناءه، عزمي يعقوب أيوب وأبناءه إبنه أيوب (صاحب البوهيات)،جوزيف مكين، هنري رياض تكله ،وأسرة يوسف ميخائيل كاتب (الشونة).
ومن مآثر الأبيض أن بها أكبر المستشفيات المتكاملة ليس في السودان فحسب بل في إفريقيا كلها فضلاً عن ذلك بها الجراح الملكي الإنجليزي الأشهر مستر هاسبد وقد عمل في كردفان لست عشرة سنة بصفته مدير وجراح علي مستوى السودان وإفريقيا.
ويعد سوق الأبيض أول سوق محاصيل عالمي ُسجل في بورصة لندن للصمغي العربي ،الكركدي، حب البطيخ ،السمسم الأبيض وأكبرحركة صادر للأنعام .
ومن معلومات الجغرافيا والتاريخ التي تستحق التوثيق أن الأبيض تشرب من ( الخور النهر) المسمى (ود البقا) الذي لا ينقطع ولايفقد ماءه نضرته وحلاوته على مر العالم . وقد أقيم بها وابور إنجليزي للتوليد الكهربائي ظل يعمل من الثلاثينيات حتى الستينيات إلى أن أضيفت إلى الشبكة القومية.
ومن قيمة الأبيض في الإدارة الخدمة العامة والجيش والشرطة والقضاء أنه لا يسمح بترقية قاضي أوضابط أو سكرتير لدرجة إداريه أو مالية أو لشؤون الصحة إلا إذا عمل لثلاث سنوات بكردفان.
ومن مرافقها الحيوية مطار الأبيض وجامعة كردفان وخور طقت بكل تاريخها والأبيض الثانوية وعشرات المدارس الثانوية بمعلميها الأجلاء ومنهم أستاذ الأجيال حسن خليفة حامد مهدي ناظر الأبيض الأهلية الوسطي، بالإضافة لعشرات المساجد والخلاوي أشهرها:
مساجد السادة الإسماعيلية والأنصار والختمية وبقية الطرق المتآلفة حول عقيدة واحدة، فإن اختلفت ففي بعض التفريعات التي لا تُخرج عن الملة ولا تفسد للود قضية .
وما زال الأجداد والآباء يذكرون في تاريخها حكامها فكان آخر حاكم انجليزي قبل الإستقلال حاكم ليبولد مدير مديرة كردفان والأنيل الأزرق، وكان أول مدير سوداني لمديرة كردفان بعد الاستقلال الإداري المرموق الراحل مكاوي سليمان أكرد الذي أصبح لاحقاً وزيراً للداخلية ومحافظاً لمشروع وهو والد الموسيقار الشهير سليمان اكرد.
والحاكم العسكري العام لكردفان في عهد عبود الأميرلاي زين العابدين حسن الطيب ( الزين حسن) المثير للجدل الذي جدد المحطة الكهربائه وأدخلها في الخط العام واشتهر بمضايقة وسجن اليساريين ومما يذكر هنا أنه بعد أكتوبر إلتزم الترابي والمحجوب والأزهري للفريق عبود بعدم محاكمة العسكريين سياسياً وأوفوا بعهدهم فلم يُحاكم أعضاء المجلس العسكري المركزي ولم يُحاكم حكام الأقاليم ولا ضباط الشرطة الذين تصدوالأعمال الشغب والتخريب والمظاهرات، والمُساءلة لهم لا تتم إلا في حالة الفساد المالي والتجاوزات الجنائية. ومن الحكام أيضاً البك باشا حاج موسى والد كل من عمر وإسماعيل الحاج موسى .
ومن الحكام الشهود لهم في كردفان اللواء الفاتح بشارة. والاستاذ محمد الحسن الأمين وإبراهيم السنوسي. وفي الزمان الحزبي عبدالرسول النور وأحمد هارون.
ومن القيادات الإدارية المرموقة الاميرالي عمر ابراهيم العوض (عمرابي). ومن الساسة والأعيان والتجار والزعامات الذين ارتبطوا بكردفان ارتباطاً كلياً أو جزئياً الزعيم إسماعيل الأزهري ابن (السادة الإسماعيلية) والوزير إبراهيم المفتي وأبو رنات رئيس القضاء وبابكر ومولانا عوض الله صاحب الرئاسات الثلاثة( القضاء ، البرلمان، رئاسة الوزراء) ومن رجال القضاء الكبار محمد يوسف مضوي ومحمد يوسف محمد الذي أصبح رئيساً للبرلمان لاحقاً ،دفع الله الرضي ،خلف الله الرشيد ، فؤاد الأمين عبدالرحمن، محمد ميرغني مبروك، المبارك أحمد المدني، مولانا عوض بخيت العوض نائب رئيس القضاء السوداني.
ومن رجال الأعمال مهدي الجبلابي أهم قيادات حزب الأمة والشيخ عبدالباسط من الإسلاميين ومحمد الحسن سوار الدهب والد المشير عبدالرحمن سوار الذهب ( بيت السواراب الكبير) .
ومن قيادات اليساريين حاج الطاهر أحمد وإبراهيم أبو حسنين، ومن الإسلاميين أحمد إبراهيم الطاهر المحامي والوالي ورئيس البرلمان لاحقاً،الدكتور بشير آدم رحمة، أبو الغيث ومولانا الفاضل سليمان.
ومن العسكريين الذين شرفوا الجيش السوداني إلى اليوم وأقاموا الأساس الراسخ للوطنية والخبرة والإحترافية والإنضباط والتجرد والشجاعة ونكران الذات ومن هؤلاء ما جاء في الذكرة لا اختياراً ولا حصراً ونرجو المعذرة للذين أخطأتهم الذاكرة.
اللواء ركن الطيب المرضي نائب رئيس هئية الاركان ومدير استخبارت العسكرية حاكم كردفان، الفريق الفاتح بشارة حاكم كردفان، الفريق أول عبدالماجد حامد خليل وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، الفريق أول شرطة أحمد وادي حسن المدير العام لقوات السجون السودانية.
الفريق شرطة مكي حسن أَبّو مدير بوليس السودان، اللواء عثمان زين العابدين كوكو (عثمان زين)نائب اللواء محمود بخاري مدير البوليس عقب ثورة أكتوبر وبالمناسبة كلمة (البوليس) تم تغييرها إلى الشرطة في العام 73 في مؤتمر وزراء الداخلية العرب.
هذه هي بعض معالم وأعلام الأبيض التي يعرفها كل بنات وأبناء السودان ولا يعرفها المرتزقة ولا الميليشيا ولا عصابة دقلو من عابري الحدود بقيادة السفاح حميدتي .
هذه هي الأبيض التي تقف الآن في صبر وجَلَد وشجاعة وجسارة تتحدى الأجنبي والطابور الخامس والمرتزقة الذين جمعوهم بالمال الحرام فأفسدوا رمالها بجثثهم الآسنة. هذه هي الأبيض التي تقف الآن بمقاومتها الشعبية وجيشها الأسطوري والهجانة (أم ريش) ليكتبوا تاريخاً جديد من الانتصار ومصادقة الشموس والالتحاق بمواكب التاريخ الذي لن يتقدم خطوة إلا إذا تقدمته الأبيض عزاً وشرفاً وأمجاداً.
إنها الأبيض القادمة والمُطلة من شرفة التاريخ إنها الأبيض التي يعرفها الجميع ويجهلها حميدتي.
Bajnews.net