سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

خبراء: ضخ العملات الأجنبية غير كاف لإنقاذ الجنيه السوداني


أمستردام- 5 يوليو 2026م – راديو دبنقا

أعلنت محافظ بنك السودان المركزي عن ضخ البنك للعملات الأجنبية في الجهاز المصرفي منذ يوم 23 من شهر يونيو الجاري، حيث بلغت حوالي (400) مليون درهم لمقابلة طلبات الاستيراد، مشيرةً إلى أن هذه الخطوة أسهمت في انخفاض سعر الدرهم مقابل الجنيه السوداني اليوم إلى (1200)، وشكّلت نقلةً ملحوظة، ووفّرت لكافة المستوردين ما يحتاجونه لتلبية متطلبات الاستيراد.

واعتبر الباحث في الاقتصاد السياسي السوداني والخبير المصرفي والمالي عمر سيد أحمد أن إعلان بنك السودان ضخ 400 مليون درهم لا يعني بالضرورة التخلي عن الدولار، وإنما يعكس على الأرجح طبيعة مصادر التمويل الحالية، أو أن جانبًا من التجارة الخارجية السودانية يتم تسويته بالدرهم، خاصةً مع تنامي دور الإمارات كمركز تجاري وإعادة تصدير، إضافة إلى أن الدرهم مرتبط بالدولار بسعر صرف ثابت.

وقال سيد أحمد لـ”راديو دبنقا” إن ضخ النقد الأجنبي عبر الجهاز المصرفي يُعدّ أحد الأدوات التقليدية التي تستخدمها البنوك المركزية للتدخل في سوق الصرف، بهدف تلبية الطلب الحقيقي على الاستيراد، وتقليل الاعتماد على السوق الموازية، وتهدئة التقلبات في سعر الصرف.

ورهن نجاح هذه السياسة باستدامة مصادر النقد الأجنبي، وتابع قائلاً: “إذا كان الضخ لمرة واحدة أو لفترة قصيرة، فإن تأثيره سيكون مؤقتًا، وقد يعاود سعر الصرف الارتفاع بمجرد نفاد الكميات المضخوخة”.

وأكد أن استقرار سعر الصرف لا يتحقق بالتدخل وحده، وإنما يحتاج إلى برنامج اقتصادي متكامل يشمل حزمة من الإجراءات، أهمها زيادة حصائل الصادرات، خاصة الذهب والقطاع الزراعي، والحد من تهريب الذهب والنقد الأجنبي، إضافةً إلى استقطاب تحويلات السودانيين بالخارج عبر القنوات الرسمية.

ودعا إلى ضرورة ترشيد الواردات غير الضرورية، وبناء احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، مع العمل على ضبط السياسات المالية والنقدية، والحد من التمويل التضخمي.

مصادر العملة الأجنبية


وقال سيد أحمد: “يبقى السؤال الأهم الذي لم يوضحه البيان الرسمي: ما مصدر الـ400 مليون درهم؟ هل هي من الاحتياطي، أم حصائل صادرات، أم تسهيلات مصرفية، أم وديعة خارجية؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد قدرة البنك المركزي على مواصلة التدخل واستدامة أثره”.

وخلص الخبير المصرفي والمالي عمر سيد أحمد إلى أن ضخ العملات الأجنبية يمثل واحدة من آليات إدارة سوق الصرف، وليس الحل الكامل، موضحًا أنه قد يسهم في تهدئة السوق على المدى القصير، لكن استقرار سعر الصرف بصورة مستدامة يتطلب معالجة الأسباب الهيكلية لنقص النقد الأجنبي، وفي مقدمتها ضعف الصادرات، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتهريب الذهب، والآثار الاقتصادية للحرب.

وأضاف قائلاً إن الحكم على نجاح هذه الخطوة يتوقف على ما إذا كانت جزءًا من برنامج إصلاح اقتصادي متكامل أم مجرد تدخل محدود الأثر.

إجراءات غير كافية


من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم فتحي لـ”راديو دبنقا” إن ضخ النقد الأجنبي في البنوك وتمويل الاستثمار من قبل البنك المركزي مؤخرًا غير كافٍ لإعادة التوازن لسوق العملات أو تحقيق استقرار دائم لقيمة الجنيه.

وأكد الحاجة إلى إصلاحات شاملة لتحقيق استقرار مستدام، بحيث ترافق هذه الخطوات إصلاحات مالية واقتصادية أوسع تشمل ضبط الإنفاق العام، وإقرار ميزانية واضحة للدولة، ومكافحة الفساد، والحد من المضاربة على العملة الأجنبية.

وأشار إلى أن استقرار سوق الصرف ليس مسؤولية البنك المركزي وحده، بل هو مسؤولية مشتركة تتطلب سياسة نقدية واضحة تستخدم أدوات مثل ضخ العملات الأجنبية، وامتصاص فائض السيولة، وتقليل حجم النقد المتداول.

وشدد على ضرورة الشراكة الحقيقية بين السياسة النقدية (البنك المركزي) والسياسات المالية (وزارة المالية المسؤولة عن إدارة الإنفاق العام)، بالإضافة إلى دور وزارة التجارة في ضبط الأسواق.

كما أكد أن الاقتصاد السوداني يعاني من نقص مزمن في مصادر الدولار المستدامة، مما يزيد الضغط على العملة الصعبة ويخلق حاجة مستمرة لتوفير الدولار للاحتياجات الأساسية.

وأوضح أن السوق الموازي لا يختفي بقرارات إدارية أو حملات أمنية، بل يتمدد وينكمش بناءً على الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، وينشأ عندما يكون هناك فرق كبير بين السعر الرسمي وسعر التوازن في المصارف، أو عندما يكون الوصول إلى الدولار عبر القنوات الرسمية محدودًا.

حدث لا يستحق التضخيم


ومن وجهة نظر الخبير الاقتصادي الهادي هبّاني، المنشورة على صفحته الخاصة في منصة “فيسبوك”، فإن خبر ضخ بنك السودان مبلغ 400 مليون درهم لا يُعدّ حدثًا يستحق التهليل أو التضخيم أو التداول الإعلامي بهذه الكثافة، منتقدًا عدم وجود بيان رسمي واضح على منصة البنك المركزي.

وقال إن من صميم مهام بنك السودان المركزي توفير النقد الأجنبي للبنوك لتنفيذ طلبات التجارة الخارجية والتزاماتها، سواء كانت صادرات أو واردات، مشيرًا إلى أن الوضع الطبيعي يقتضي احتفاظ البنوك التجارية بأرصدة من العملات الحرة لتلبية احتياجات العملاء وفقًا للسياسات المعتمدة.

وأضاف أن الواقع يشير إلى أن خزائن البنك المركزي والبنوك التجارية تعاني من شح في النقد الأجنبي، وحتى في حال وجود بعض الأرصدة فهي محدودة للغاية، خاصةً وأن صافي الميزان التجاري حتى مارس 2026م سجّل عجزًا بقيمة 1.3 مليار دولار، حيث بلغت الصادرات 698 مليون دولار مقابل واردات بلغت 1.9 مليار دولار، وفقًا للموجز الإحصائي للتجارة الخارجية.

وأشار إلى أن هذا العجز غالبًا ما يتم تغطيته من السوق الموازي، ما يعكس ضعف توفر النقد الأجنبي لدى الدولة.

ولفت إلى أن مبلغ 400 مليون درهم (حوالي 109 مليون دولار) يُعد ضعيفًا، ولا يغطي حتى فاتورة استيراد واحدة، إذ بلغت فاتورة استيراد القمح 179 مليون دولار، والسكر 110 ملايين دولار، والمواد الغذائية 151 مليون دولار حتى مارس 2026م.

ائتمان البنوك الإماراتية


وتساءل قائلاً: إذا كان بنك السودان يمتلك احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، فلماذا اضطر لإصدار المنشور رقم (15/2026) الذي يلزم مستوردي المواد البترولية بتقديم ضمان نقدي يتمثل في إيداع 200 كيلوغرام من الذهب في مصفاة بنك السودان لضمان تغطية الالتزامات؟

وأضاف أن هذا يعكس اعتمادًا على تسهيلات ائتمانية قد تكون مقدمة من بنوك إماراتية مقابل ضمانات نقدية كاملة أو شبه كاملة.

وقلل من أهمية الخطوة، معتبرًا أنها لا تتجاوز كونها محاولة لتجميل الواقع، مؤكدًا أن القطاع المالي والمصرفي يواجه وضعًا صعبًا، وأن قطاع التجارة الخارجية أكثر تأزمًا، في ظل ضعف الإنتاج والصادرات.

وأشار إلى أن السودان يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، وأن العجز في الميزان التجاري، الذي يقدّر بنحو 6 مليارات دولار سنويًا، يتم تمويله عبر السوق الموازي.

وختم برأيه بأن الحل يتطلب تغييرًا جذريًا وإصلاحًا شاملًا للاقتصاد، قائمًا على إرادة وطنية موحدة لإعادة بناء الاقتصاد وتطوير الموارد وتحقيق الاستقرار والتنمية.

dabangasudan.org