سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

المثقف بين الحقيقة والتحريض: رسالة إلى الدكتور الوليد مادبو وإلى النخبة السودانية

المثقف بين الحقيقة والتحريض: رسالة إلى الدكتور الوليد مادبو… وإلى النخبة السودانية

ميرغني الحبر/ المحامي

لا أخفي أنني قرأت مقال الدكتور الوليد مادبو: “كيف صنعت دولة الجلابة أصنامها؟” بشيء من الحزن أكثر من الغضب. فالدكتور الوليد، في تقديري، ليس كاتبًا عاديًا في الساحة السودانية، بل هو من أكثر مثقفينا تأهيلًا واطلاعًا، وقد كنت، ولا أزال، أعتقد أن السودان كان في حاجة إلى أمثال هذه العقول للمساهمة في بناء الدولة بعد الثورة، حتى إنني رأيت في مرحلة من المراحل أنه يملك من المؤهلات الفكرية والسياسية ما يجعله جديرًا بتحمل أعلى المسؤوليات التنفيذية.

لهذا السبب تحديدًا آلمني المقال. لم يؤلمني لأنه انتقد النخب السودانية، فالنقد واجب، ولا يمكن أن تقوم نهضة بغير مراجعة شجاعة لأخطاء الماضي، وإنما آلمني لأنني رأيت فيه خطابًا لا يشبه المكانة الفكرية التي أعرفها عن صاحبه، وكأنه كُتب تحت وطأة الإحباط الذي أصاب بلادنا، لا بروح الباحث الذي عُرف بالتحليل والتأمل.

وأرجو صادقًا أن يكون هذا المقال زلة قلم فرضتها مرارة الحرب، لا تحولًا في مشروعه الفكري. فالحروب لا تفتك بالبشر وحدهم، بل قد تصيب العقول المبدعة بشيء من القسوة، وتدفعها إلى إطلاق أحكام يغلب عليها الانفعال أكثر من التبصر.

إنني أتفق مع الدكتور الوليد في أن السودان عرف اختلالًا في توزيع السلطة والثروة، وأن النخب السياسية والثقافية تتحمل نصيبًا كبيرًا من مسؤولية ما انتهت إليه البلاد. كما أتفق معه في رفض تقديس الأشخاص، وفي أن أي مشروع إصلاحي لا بد أن يبدأ بإخضاع الجميع للنقد والمساءلة.

لكنني أختلف معه حين يتحول نقد النخب إلى خطاب يوشك أن يُحمِّل جماعات اجتماعية كاملة وزر التاريخ، أو حين يصبح الانتماء الجغرافي أو الثقافي أساسًا لتفسير أزمة السودان. فالأوطان لا تُقرأ بهذه البساطة، والتاريخ لا يُختزل في ثنائية “مركز” و”هامش”، ولا في تصنيف ملايين المواطنين داخل قوالب واحدة.

لقد وُلد الدكتور الوليد في الخرطوم، ونشأ في واحدة من أكثر بيئاتها استقرارًا وتعليمًا، وهو ابن أسرة عريقة ذات حضور اجتماعي وسياسي. وهذا ليس مأخذًا عليه، بل دليل على أن الانتماءات الشخصية لا ينبغي أن تكون معيارًا للحكم على الأفكار. ومن هذا المنطلق نفسه، لا يجوز أن تصبح الجغرافيا أو القبيلة معيارًا لإدانة الآخرين أو تفسير أدوارهم التاريخية.

إن مسؤولية المثقف أن يحرر المجتمع من أسر التصنيفات، لا أن يعيد إنتاجها في لغة جديدة.

لقد كان السودان، عبر تاريخه، ضحية لنوعين من الخطاب: خطاب الاستعلاء الذي أنكر حقوق الآخرين، وخطاب المظلومية الذي انتهى أحيانًا إلى تعميم الاتهام على جماعات بأكملها. وكلا الخطابين، مهما اختلفت دوافعهما، يقودان إلى النتيجة نفسها: تمزيق النسيج الوطني، وإضعاف فكرة المواطنة.

ولذلك فإنني أخشى أن يتحول نقد العنصرية إلى عنصرية مضادة، وأن يتحول تفكيك الهيمنة إلى إعادة إنتاجها بوجوه جديدة، وأن ينتهي هدم الأصنام القديمة إلى صناعة أصنام جديدة.

إن السودان لا يحتاج إلى استبدال مركز بمركز، ولا نخبة بأخرى، ولا مظلومية بأخرى، وإنما يحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة كلها؛ إلى دولة يكون معيارها الوحيد هو المواطنة والكفاءة وسيادة القانون.

لقد أخفقت الأحزاب التقليدية، كما أخفقت الانقلابات العسكرية، وأخفقت كثير من الحركات المسلحة، لأن جميعها، بدرجات متفاوتة، قدمت الولاء على المؤسسة، والشخص على القانون، والانتماء على الكفاءة. وهذه هي الأزمة الحقيقية التي ينبغي أن ينصرف إليها جهد المثقف.

إن وظيفة المفكر ليست أن يحدد للسودانيين من يحبون ومن يكرهون، وإنما أن يساعدهم على فهم أسباب أزماتهم، وأن يفتح أمامهم أبواب المستقبل. أما حين تتحول اللغة إلى أداة تعبئة، فإنها تفقد رسالتها المعرفية، مهما بلغت بلاغتها.

إن الكلمات التي يكتبها المثقف في زمن الحرب ليست ملكًا له وحده، بل قد تتحول إلى وعي عام، أو إلى مبرر للكراهية، أو إلى وقود لصراع جديد. ولذلك فإن مسؤوليته الأخلاقية تعلو على مسؤولية السياسي، لأن الناس تمنحه ثقتهم باعتباره صوتًا للعقل، لا طرفًا في الخصومة.

إنني أكتب هذه الكلمات احترامًا للدكتور الوليد قبل أن تكون اختلافًا معه. فالاختلاف مع أصحاب الفكر أكرم من الصمت عليهم، والنقد الصادق هو أصدق صور الاحترام. وما أرجوه منه، ومن كل مثقف سوداني، أن نتذكر أن السودان اليوم لا يحتمل مزيدًا من الجدران، بل يحتاج إلى من يبني الجسور.

لقد آن الأوان أن نغادر لغة “الجلابة” و”الهامش”، كما غادر العالم كثيرًا من القواميس التي صنعت الحروب، وأن نستبدل بها لغة الدولة والمواطنة والمؤسسات والعدالة. فالمستقبل لن يُبنى بانتصار رواية على أخرى، وإنما باتفاق السودانيين على أن الإنسان يُحاسب بعمله، لا بأصله، وأن المسؤولية فردية، لا جماعية، وأن العدالة لا تعرف جهة ولا قبيلة.

إن معركتنا الحقيقية ليست مع شمال السودان ولا غربه، ولا مع شرقه أو جنوبه، وإنما مع التخلف السياسي، وضعف المؤسسات، واستغلال الهويات في الصراع على السلطة.

 وأختم برسالة أوجهها إلى كل مثقف سوداني:

إذا كان السياسي قد يربح بالانقسام، فإن المثقف لا يربح إلا بوحدة الضمير الوطني. وإذا كان السلاح يمزق الجغرافيا، فإن الكلمة قد تمزق التاريخ كله. فليكن قلمنا جسرًا يعبر عليه السودانيون إلى المستقبل، لا خندقًا جديدًا يقتتلون عنده.

altaghyeer.info